//Put this in the section

”الاتصالات” أمام تحدي استرداد إدارة الخليوي… فهل تنجح؟

سلوى بعلبكي – النهار

بعد صدور رأي هيئة التشريع والاستشارات في موضوع عدم جواز تمديد عقدَي إدارة الخليوي، قد يشكل استرداد إدارة القطاع ليصبح بيد الدولة ممثلة بوزارة الاتصالات، مع توافر الإرادة الصادقة للإصلاح، أداة إنقاذ فعلية لهذا القطاع ومن ورائه أولى خطوات الإنقاذ للمالية العامة للدولة.




لذا، فإن وزير الاتصالات الجديد طلال حواط ومعه المدير العام للاستثمار والصيانة في الوزارة باسل الأيوبي أمام تحد كبير، لا يتحمل الخطأ، ولا الإرتجال، ولا أداء الهواة، وتاليا عليهما حكماً واجب النجاح في رفع هذا التحدي، والشروع فورا في التفكير الجدي لإيجاد الحلول السريعة لإدارة قطاع خدمات الهاتف الخليوي ووضع آليات عملية وسريعة لذلك.

تنظر الدولة بكامل فئاتها وشرائحها إلى الوزير الحواط، وتنتظر منه ابتكار الحلول. ويواجه “اللقاء التشاوري” الذي حصل على حقيبة وزارة الاتصالات، أول امتحان فعلي وصعب في إدارة ملف حساس يتعلق بواحد من أهم القطاعات الخدماتية في لبنان، وعلى مقدار فشله في هذا الملف تحديدا سيكون حجم الشماتة به من خصومه السياسيين. فهل لدى وزارة الاتصالات خطة واضحة لجبه هذا الواقع الجديد، وهل لديها طاقم بشري جاهز مع الحلول السريعة؟

يبدو أن الفراغ القائم في إدارة قطاع الخليوي والخوف من الفشل في ملء هذا الفراغ يقلقهم، في حين أن أي خطأ أو تعثر في إدارة هذا الملف قد يضرب واردات الخليوي، وتاليا قد يضرب المالية العامة، في لحظة صعبة جدا من تاريخ لبنان وأزمته الاقتصادية والمالية والنقدية الخانقة.

من هنا، فإن الإقتراحات والحلول تصبح ضرورية وملحّة أكثر فأكثر مع قرب دخول خدمات الجيل الخامس، مع كل ما يعني ذلك من تحضيرات وتحديات تقنية وتنظيمية وتخصيص للترددات وتعديل عدد مواقع البث وأمكنتها من جهة، وتنوع في الخدمات الجديدة المتطورة من جهة أخرى، وما تحمله معها من انقلاب عميق في مشهد الاتصالات والانترنت والداتا وفي خدمات الإعلام المرئي والمسموع ومواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإعلام الإلكتروني وخدمات الإعلان والإنتاج الإعلاني وغيرها، وفي تركيبة جداول التعرفات والرسوم وجدولة تقاسم الواردات مع القطاع الخاص.

تؤكد مصادر متابعة أن الوزير الحواط اجتمع في6 شباط الجاري مع المديرين العامين لشركتَي الخليوي وممثلين عن شركتي أوراسكوم وزين، ووعدهما بتمديد عقدي إدارة الخليوي، خلافا لرأي هيئة التشريع والاستشارات، وذلك بعد جلسة نيل الثقة للحكومة الجديدة، في حين أكد عدد من الخبراء المختصين لـ”النهار أن من الممكن للدولة ووزارة الاتصالات، إذا أحسنتا تطبيق رأي هيئة التشريع والإستشارات الأخير بشأن قطاع الخليوي ووضعه موضع التنفيذ بالسرعة القصوى، تحقيق وفر مالي على الخزينة العامة للدولة يقدَّر في السنة الأولى فقط بـ 300 مليون دولار. ويأتي هذا التوفير نتيجة فورية للتوفير في مصاريف في الخدمات التجارية والموظفين والـ OSB وعقود التوسط والوسطاء والمشتريات والتجهيزات والعمولات على المشتريات، ومصاريف الآليات ونفقات تقاسم واردات خدمات القيمة المضافة وتقاسم واردات خدمات الانترنت عبر الجوال، ونفقات الإدارة وعوامل الإنتاج السنوية للشركات المديرة وعقود المشتريات الحصرية، ونفقات التمويل والرعاية ونفقات التسويق وتحسين النواحي الهندسية للشبكات وتعديل هيكليات التعرفة والأسعار وشروط عقود التوزيع والتمثيل والنفقات اللوجستية المختلفة.

ووفق هؤلاء فإن الواردات سترتفع نتيجة هذا الأمر الى 450 مليون دولار إضافية في السنة الثانية، وإلى 550 مليون دولار في السنة الثالثة، أي بزيادة إضافية تصل إلى 1300 مليون دولار خلال الثلاث السنوات المتبقية من ولاية العهد الحالي، علما أنه قد تم احتساب هذه الأرقام بطريقة دقيقة، مبنية على نموذج اقتصادي لتقدير الجدوى الاقتصادية Business Plan مع معايير مختلفة للسنوات المقبلة.

وفيما يرى البعض أن رأي هيئة التشريع والإستشارات باسترداد عقود الإدارة غير ملزم، ثمة من يضع المسؤولية الوطنية والقانونية بشكل أساسي على شخصين محددين هما: رئيس الحكومة ووزير الاتصالات، بأن يعتمدا رأي هيئة التشريع والاستشارات وتوصية اللجنة النيابية للإعلام والاتصالات حيال استرداد أعمال إدارة الخليوي عبر تشكيل غرفة عمليات متخصصة للقيام بذلك.

لقد تمثّل سوء الإدارة لقطاع الخليوي في الفترة الأخيرة بانهيار حاد في واردات شركتي الخليوي على أكثر من صعيد. في حين تعاظمت في الوقت عينه تكاليف الإنفاق في البنية التحتية خارج أي خطة استراتيجية أو خريطة طريق، بحيث كانت بعض المشاريع عينها تتكرر من سنة الى أخرى مع اختلاف في أسماء الموردين والمتعهدين بما يسمح بتكرار قبض العمولات للوسطاء والمحسوبين. وكان في الكثير من الاحيان يتم الإنفاق على مشاريع ضخمة ليست أصلا لمصلحة شركتي الخليوي، بل لمصلحة بنى تحتية أخرى تابعة مباشرة لوزارة الاتصالات، ويتم التعاقد في شأنها بالتراضي مباشرة بين وزارة الاتصالات والشركات المتعهدة والموردة من دون أن يكون لشركتي الخليوي أي دور يذكر في المشاركة، لا في إعداد دفاتر الشروط التقنية والإدارية العائدة لهذه المشاريع، ولا في كيفية تنفيذها وتسلمها، ولا في تحديد الجداول الزمنية لتنفيذها، ولا في عمليات الإشراف عليها، ولا في مناقشة أسعارها، ولا في إعداد شروط جدولة الدفعات وفق برنامج التنفيذ، بل كانت واردات شركتي الخليوي تُستخدم من دون حسيب أو رقيب لتمويل صفقات ومشاريع يتم دفع كامل أثمانها من دون استكمال تنفيذها لغاية اليوم. كما تعاظمت أيضا خلال هذه الفترة تكاليف التشغيل والصيانة لشركتي الخليوي خارج أي ضوابط معقولة وخارج أي قاعدة معتمدة ومعروفة عالميا. والأمر عينه ينسحب على تكاليف الرواتب والتعويضات والمكافآت والتضخم الهائل في أعداد الموارد البشرية غير المعهود على المستوى الدولي لدى مشغلي شبكات الهاتف الخليوي.

وتعكس المؤشرات الرقمية الشاملة الوارده أدناه عمق الفاجعة التي أصابت خلال الاعوام الماضية قطاع الهاتف الخليوي، وتعكس كذلك مدى الإستهتار في إدارته وعدم الخوف من المساءلة والملاحقة في هدر أو تسييب وارداته. فقد كان العدد الإجمالي للمشتركين في الشركتين عام 2012 نحو 3.7 ملايين مشترك، فيما بلغت الواردات الخام للشركتين خلال هذه السنة (أي سنة 2012) نحو 1.8 مليار دولار. ولم تتعدَّ تكاليف الإنفاق الإستثماري وتكاليف التشغيل والصيانة والموارد البشرية مبلغ 350 مليون دولار، أي أن الواردات الصافية المحققة لشركتي الخليوي عام 2012 بلغت نحو 1.450 مليار دولار، في حين وصل عدد المشتركين في نهاية عام 2012 إلى 3.7 ملايين مشترك.

أما في عام 2018 فقد ارتفع العدد الإجمالي للمشتركين الى 4.45 ملايين مشترك، في مقابل هبوط الواردات الخام إلى 1.5 مليار دولار (بدل أن تتخطى فعليا عتبة الملياري دولار)، في حين ارتفعت تكاليف الإنفاق الإستثماري وتكاليف التشغيل والصيانة والموارد البشرية إلى 665 مليون دولار. أي أن الواردات الصافية المحققة عام 2018 لم تتعدَّ مبلغ 835 مليون دولار، علما أنه كان من المتوقع أن تصل هذه الواردات الصافية في نهاية عام 2018 إلى عتبة 1.740 مليار دولار بدلا من 835 مليون دولار فقط.

يبين تحليل الأرقام العائدة الى مشاريع البنية التحتية التي لا لزوم لها وتلك العائدة الى مشاريع التشغيل والصيانة التي تم التعاقد بشأنها أخيرا مع شركات محددة مقربة من بعض النافذين والإنفاق الحاصل في أرقام التوظيف ومشاكل سوء الإدارة وصرف النفوذ، إنهيار واردات قطاع الخليوي الذي حصل على نحو دراماتيكي في الاعوام الأخيرة.