//Put this in the section
جهاد الزين - النهار

عام 1975 ماتت الدولة اللبنانية أمنياً… عام 2020 ستموت الدولة مالياً؟ – جهاد الزين – النهار

قد يجوز القول أن الدولة اللبنانية رغم موتها الأمني عام 1975، أي انهيار أو انقسام( والانقسام هو انهيار في أي مؤسسة أمنية رسمية)، استطاعت أن تستعيد وحدتها بعد الحرب الأهلية، بل استطاعت أن تستعيد قدرتها الضبطية (أي القمعية بالمعنى التقني والقانوني) وهذا مكسب استراتيجي في دولة مفتّتة وضعيفة كالدولة اللبنانية.

قياسا على المنطق السياسي لهذه الملاحظة، قد يجوز السؤال: هل الدولة اللبنانية الميتة ماليًا (أيُّ المفلسة مالياً) أو المقبلة قريباً على الموت المعلن ستستطيع الانبعاث مرة جديدة واستعادة قوتها المالية التي سمحت لها بإنشاء مؤسسات رعاية ودعم مثل الضمان الاجتماعي وصناديق تقاعد لموظفّي القطاع العام ودعم لأسعار سلع كالقمح… هذه الدولة التي ترافق اتساع إمكانياتها مع عادة سيئة جدا في المجتمع حوّلت الطبقة السياسية القديمة والجديدة إلى طبقة توظيف وزبائنية.




عام 2020 تصل “الأيديولوجيا” التوظيفية إلى مرحلة إن لم تكن نهاية صعبة. ففي الأزمة المالية الراهنة، العميقة والضخمة لم يعد بالإمكان خلق وظائف سهل في القطاع العام. هذا إذا كان لا يزال بإمكان الدولة الاستمرار بدفع معدلات رواتب القطاع العام مما يعني حتمية لجوء القائمين على الحكم إلى تبني بل تشجيع خيار مر هو خفض سعر العملة الوطنية الذي يسمح بتخفيض كلفة الإنفاق على قطاع عام متضخم بل ومختنق.

أعنف وأعتى “الأيديولوجيين” التوظيفيين شهدناهم في الثلاثين عاماً الأخيرة وتحديداً حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي ولاحقًا التيار الوطني الحر و القوات اللبنانية وقبلها طبعاً حزب الكتائب مع أن كل الأحزاب والأفراد الذين وصلوا إلى السلطة أو البرلمان منذ تأسيس الدولة اللبنانية كانوا صنّاع وأسرى هذه السياسة التوظيفية في آنٍ معاً.

القطاع العام بكل تشعباته الأمنية والتعليمية والخدماتية والديبلوماسية يصل الآن بسبب الشراهة التوظيفية للطبقة السياسية بعد عام 1990 إلى مفترق طرق. فبعد اليوم ماذا ستكون حالة “الموظف”من أقصى الريف اللبناني إلى أقاصيه؟بل ماذا لو بدأ مسلسل عدم دفع الرواتب الجزئي أو الكلي مثلما بدأ ذلك في القطاع الخاص؟

كانت ذروة المهزلة التوظيفية أن الطبقة السياسية أقدمت رغم تعهدها الالتزام بأحد شروط مؤتمر سيدر الأساسية عام 2018 الذي انعقد في نيسان في العاصمة الفرنسية بوقف التوظيف في القطاع العام…أقدمت على خطوة مذهلة في لامسؤوليتها وخفّتها إذْ عيّنت في الإدارات العامة أكثر من عشرة آلاف موظف. البعض من المطّلعين يتحدث عن رقم أكبر من ذلك بكثير. والأكيد هو أن كل أطراف السلطة شاركت في، واستفادت من، هذه الخطوة. الطريف والمأساوي جدا أن تعيينات بألوف الموظفين جرى تمريرها كأنها تتعلق بشخص واحد. لقد أفرغت الطبقة السياسية كل ما في شهوتها من شراهة إلى التوظيف في القطاع العام دفعةً واحدة لكنها كانت في الوقت عينه تنكشف كطبقة غير مسؤولة أمام مجتمع الدعم الإقليمي والدولي للبنان الذي سيتبدّد بعد أشهر قليلة وستنقلب الشعبوية إلى عدوة نفسها في أقل من عام بعد اتضاح أزمة المديونية العامة.

هل ستتمكن الدولة اللبنانية من النهوض بعد موتها المالي؟ إنه سؤال صعب جدا بل سؤال وجودي في بلد أنتج طبقة وسطى هي الأطول عمراً حتى الآن بين الطبقات الوسطى العربية.

لقد استغرق موت الدولة الأمني خمسة عشر عاماً فكم سيستغرق موتها المالي؟