//Put this in the section
عقل العويط - النهار

عواءٌ سيُسمَع في القصور – عقل العويط – النهار

من عادتي أنْ أمرّ يوميًّا، بحيّ بيضون، في الأشرفيّة، وبالأحياء المجاورة، على سبيل التنزّه، عند الدغشة أو ليلًا، صحبة كوبر، وأحيانًا وحدي. مضى زمنٌ، والحقّ يقال، طويلٌ، على تجنّبي العبور في تلك النواحي، متفاديًا، ومعتكفًا.

قبل أسبوعين، أو ثلاثة، سألني بائع الخضر الذي رآني في مدخل المبنى حيث أسكن، لماذا لم نعد نراك يا أستاذ في محلّنا. المكان مكانكَ، والبضاعة بضاعتكَ. إذا أحدٌ منّا، أخوتي أو أبي أو أنا، أساء التصرّف معكَ، أو باعكَ شيءٌ ممّا ليس على ذوقكَ، أو لا تستسيغه، فلكَ منّا جميعنا الاعتذار. سألني أيضًا عن كوبر. ابتسمتُ له بتهذيبٍ ولياقة، ووعدتُهُ بالمرور في أقرب فرصة. لكنّي إلى الآن لم أذهب إليه، ليس لسببٍ أو لعلّةٍ ممّا ذكره، بل على سبيل التقشّف الذاتيّ الاختياريّ الذي فرضْتُهُ على مشترياتي، وهي في كلّ حال، قليلة.




مضى أيضًا زمنٌ طويلٌ، هو الآخر، على ذهابي إلى السوبرماركت في الحيّ. شهران بالتأكيد. ربّما أكثر. لستُ واثقًا من المدّة. السبب هو نفسه. ليس بي حاجةٌ ماسّةٌ إلى ما يبيعه السوبرماركت على العموم، إلّا في حالات الضرورة القصوى. أشتري خبز الرجيم من مكانٍ ثالث. لا أزال أتردّد على هذا المكان من أجل الخبز. الزيتون والصعتر البلديّان هما طعامي الصباحيّ مع اللبنة شغل القرية، أمّا الوجبات الأساسيّة فلا تزال شقيقتايَ تواظبان بانتظامٍ على تحضيرها، بنكهة الوالدة الراحلة، سوى لسبب الحبّ الذي تنشّأنا عليه في العائلة.

أمّا الـ”مول”، حيث المتاجر والمطاعم والمقاهي، فحدِّثْ ولا حرج، عن آخر مرّةٍ قصدتُهُ، للجلوس، للجلوس فحسب. زمان.

ما ينبغي للقارئ (وربّما المسؤول؟!) أنْ يلتفت إليه في هذا السرد المتواضع، ليس الجانب الشخصيّ في الضرورة من الحكاية – كلّا – بل رمزيّة هذا السرد، ودلالاته، وفي مقدّمها أنّ الغالبيّة الساحقة من مواطنيَّ اللبنانيّين ستواجه، أو هي تواجه الآن، واقعًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا مأزومًا لا رجعة عنه، في ظلّ المعطيات المأسويّة الراهنة والآفاق المتوقّعة.

“أبشّر” المعنيّين بأنّ الأيّام (والأشهر وربّما السنوات) المقبلة ستجعل عواء هؤلاء المواطنين يُسمَع في الغابات، في المنبسطات، في الخلاء، في الأودية، في الجبال، وما وراء البحار، وسيتردّد صدى هذا العواء في القبور.

“أبشّرهم” أيضًا بأنّ العواء بسبب الجوع، الظلم، القهر، اللامبالاة، الحلول المتعثّرة والمتباطئة وغير المقنعة، وأيضًا بسبب السياسات العقيمة، وخصوصًا بسبب فحش الطبقة السياسيّة، وبطر أهل الحكم، “أبشّرهم” بأنّ أسنانًا وأنيابًا ستنبت عمّا قريب لهذا العواء.

ولن تسكت الأسنان والأنياب. بل ستنهش. وسيُسمَع العواء هذا، وغيره، في القصور. آمين.