//Put this in the section
راجح الخوري

شدّوا الأحزمة، أيها الضحايا! – راجح الخوري – النهار

مرة ثالثة أو رابعة نعود الى تصريحات المسؤولين، التي دأبت على دعوة الشعب اللبناني المنهوب والمنكوب الى مزيد من التضحية، للخروج من أزمة الإنهيار الاقتصادي، وهو ما يدفعني للعودة الى العنوان الذي سبق لي ان إخترته لمقالي في هذه الزاوية في ٣ أيلول من العام الماضي: “وبماذا تضحّي الضحية بعد؟”.

قبل ٢٠ تشرين الأول من العام الماضي وعقد اللقاء الاقتصادي في بعبدا، وإعلان ورقة إصلاحية تألفت من ٢٥ بنداً جاءت في معظمها تفرض مزيداً من الإجراءات الضريبية، كان الرئيس ميشال عون قد دعا اللبنانيين الى المزيد من التضحية، بما يساعد على مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تطبق على لبنان، وقبل أيام عاد عون ليبلغ زواره:




“ان الأزمة الاقتصادية – المالية تبقى الأخطر، حيث لا الإنتاج ولا المال متوافران بعد إعتماد لبنان لإعوام خلت على الإقتصاد الريعي، لذلك نحن اليوم في صدد معالجة هذين الوضعين الصعبين، والإجراءآت التي ستؤخذ قاسية وموجعة ما يتطلب تفهّم المواطنين لهذا الأمر”. ولكن كيف يمكن المواطنين المدعوين الى مزيد من التضحية ان يتفهموا، بعد كل العراضات السياسية والنيابية الفاضحة والمعيبة، التي قيلت وتقال منذ أعوام، في الخطب تحت قبة البرلمان وفي التصريحات اليومية للسياسيين والمسؤولين، عن النهب المتوحش للدولة وماليتها العامة، وعن السرقات والمحاصصات، ان عليهم الآن “شدّ الأحزمة على أكثر من مستوى لان الخروج من النفق يتطلب قرارات قاسية وموجعة واجبة الوجوب”.

الأحزمة لم يعد فيها مزيد من الثقوب، فقد بات أكثر من نصف الشعب حفاة عراة، لا ثياب ولا أكل ولا ثمن منقوشة للصغيرة أبنة ناجي الفليطي الذي شنق نفسه وغيره فضل الموت إحتراقاً هرباً من حجيم العوز.

قرارات قاسية وموجعة ولكن أين أصبحت حكاية إستعادة الأموال المنهوبة مثلاً، وماذا فعلت الدولة لضبط الجباية وتحصيل حقوقها، هل ضبطت معابر التهريب، من الحدود البحرية والجوية والبرية، هي تذكرت أنها أقرت سلسلة الرتب والرواتب على أحقيتها، لكن دون تأمين الواردات التي تتطلبها، ثم ليتبيّن ان تكاليفها ضعفي المقدّر، هل فكرت لحظة واحدة مثلاً في ان ٥٠ ملياراً من الدولارات تبخرت من دواخين الكهرباء بما فيها “فاطمة غول” وأخواتها، وكان يمكنها ان تنير قارة آسيا، ليس من الضروي المضي في تعداد أبواب السرقة فلن تتسع كل الصفحات لها؟

قرارات قاسية وموجعة للخروج من النفق، موجعة لمن وقاسية على من، ومن قال إننا نريد الخروج من النفق، دعونا في النفق الذي قد يتصل بنفق جديد في غياب أي أصلاح وفي غياب أي محاسبة للفاسدين. ومن الذي سيقدر بعد على شد الأحزمة، الضحية المعلقة في المسلخ هيكلاً عظمياً كيف تضحي بعد، وهل سمعت الدولة صراخ الناس وأرباب العمل والمصانع وهدير الإفلاسات، هل تذكّرت ان ٥٣٪ من اللبنانيين في البطالة و٣٥٪ منهم تحت خط الفقر؟ هل هذه الدولة هبطت من الفضاء ولا تعرف فعلاً من الذي هو الجراد السياسي الذي أكل الأخضر واليابس، ولماذا دائماً على المواطنين ان يقدموا الأدلة على الفساد الذي يزكم الأنوف، ولماذا لا تقوم الدولة بهذا؟

قبل أشهر قدمت وكالة “ستاندارد أند بورز” لائحة من خمسين سؤالاً الى وزارة المال حول الأزمة الاقتصادية، كل هذه الإسئلة تقول أزمتكم في السياسة لا في الاقتصاد، ولكن ها نحن في قاع “تايتانيك”… وشدّوا أحزمتكم أيها الغرقى!