//Put this in the section

هل يُسدد لبنان سنداته في 9 آذار أو يتخلف عن الدفع؟ محطة مفصلية نحو هيكلة الدين

سابين عويس – النهار

لم تكن مشهدية طوابير اللبنانيين امام مكتب شركة طيران الشرق الاوسط في مطار رفيق الحريري الدولي لشراء تذاكر السفر قبل انتهاء الوقت الفاصل عن موعد بدء الشركة التداول بالدولار، ( القرار الذي ألغاه رئيس الحكومة مساء)، الا انعكاسا واضحا لحال التخبط الذي تعيشه مختلف القطاعات الاقتصادية في لبنان نتيجة ازدواجية سعر الدولار الاميركي بفعل نشوء السوقين الرسمي والموازي، حيث قاربت العملة الخضراء في آخر يوم تعامل السبت عتبة ٢٥٠٠ ليرة لبنانية. تخبط ينعكس في شكل مسيء على اللبنانيين الذين يتعرضون لأقصى اشكال الذل والمهانة من أجل الحصول على الحد الأدنى من حقوقهم او من اموالهم المحجوزة في المصارف، او من الخدمات المتوجب على الدولة اما تأمينها، وإما توفير البنية التحتية للقطاع الخاص لتأمينها.




وما مرور نحو خمسة اشهر على بدء ازمة الدولار في المصارف تحت وطأة شُح السيولة ، وغياب اي معالجات جذرية من قبل السلطات المالية والنقدية، الا التعبير الصارخ عن حال الاستنزاف في القطاع المصرفي، وحال الانهيار التدريجي الذي يتعرض له، بعدما استنفدت المصارف كل امكاناتها للاستمرار، ما يهدد باحتمال توقفها عن توفير الدولار النقدي لزبائنها. فالمصارف عمدت اخيرا الى خفض قيمة السحوبات الأسبوعية، كما خفضت سقوف بطاقات الاعتماد المستعملة في الخارج الى مستويات مقلقة تعكس حجم الازمة التي بلغتها. وهذا يعني ان الامور تتجه الى مزيد من التضييق وليس العكس. وتبرر المصارف الامر بعدم قدرتها على تحمل الاكلاف العالية لتأمين السيولة بالنقد الأجنبي.

يقابل ذلك استمرار القيود على حركة التحويلات الى الخارج، في ظل عودة مخاوف المودعين بقوة حيال هذا الهاجس، مع تأخر صدور التعميم التنظيمي عن المصرف المركزي. وعلم ان حاكم المركزي لا يزال يعمل على اعداد هذا التعميم بالتنسيق مع المصارف، وتوقعت مصادر مالية ان يصدر خلال الايام القليلة المقبلة.

اما الهواجس التي عادت بقوة الى اوساط المودعين في ظل عودة الكلام عن احتمال لجوء الدولة الى عملية ” قَص الشعر ” او ” Haircut”، فأكدت المصادر ان هذا الموضوع غير وارد إطلاقا، مشيرة الى ان كل سلة الاجراءات المرتقبة لمعالجة الازمة المالية والنقدية والمصرفية تنتظر ما ستسفر عنه المشاورات مع صندوق النقد الدولي، بعدما طلب لبنان مساعدته التقنية. وفي هذا الإطار، تصل بعثة من الصندوق هذا الاسبوع لبدء هذه المشاورات ومساعدة الحكومة على اتخاذ قرارها في شأن دفع استحقاق سندات الدين في التاسع من آذار المقبل. واهمية هذا التاريخ انه بات يشكل محطة مفصلية بالنسبة الى لبنان، لا تكمن في مسألة السداد او التخلف، فحسب وانما في ما سيحمله الخيار المتخذ من تبعات على المستقبل الاقتصادي والمالي للبنان في ضوء اعادة هيكلة الدين العام، الذي سيبدأ باستحقاقات السندات الدولارية البالغة نحو 30 مليار دولار، تمهيدا لإعادة هيكلة مماثلة للسندات بالليرة. وكان وزير المال تشاور مسبقا مع المصارف التي تعهدت السير بهذا الموضوع.

وفيما يستمر تعثر الحكومة في حسم خيارها بالنسبة الى استحقاق دفع السندات الدولارية المستحقة في التاسع من آذار المقبل، تمضي المصارف بخطى حثيثة نحو التخلي عن سنداتها لمصلحة صناديق استثمارية اجنبية، في عملية قلبت التوازن بين حملة السندات المحليين والأجانب.

فقد علمت ” النهار” انه في الوقت الضائع في انتظار حسم الحكومة قرارها لجهة سداد الاستحقاق البالغ مليار و200 مليون دولار ( من دون الفوائد)، ولجوء المصارف، الحاملة في الأساس لنحو 60 في المئة من قيمة الإصدار الى بيع سنداتها الى صناديق خارجية بأسعار اقل بما بين 20 و30 في المئة، بعدما بلغتها معلومات عن توجه الحكومة الى دفع المستحق لحاملي السندات الأجانب مقابل عملية مبادلة لحاملي السندات المحليين، ارتفعت نسبة الأجانب الى 80 في المئة ، ما وضع الدولة في وضع محرج حيال القرار الذي ستتخذه. وقالت مصادر وزارية بارزة ان هذا الامر يشكل عاملا مسيئا يضع لبنان في موقع تفاوضي صعب جدا، في حال اتخذت الحكومة قرارا بإعادة هيكلة الدين. ورأت ان هذا الامر يرتب مسؤولية كبيرة على السلطات النقدية من اجل وضع حد لهذه المسألة.

وكشفت ان اللجنة التي شكلها مجلس الوزراء لمتابعة هذا الموضوع تستمع ايضا لآراء خبراء قانونيين واقتصاديين دوليين، قبل اتخاذ قرارها.

وفي هذا السياق، وعلى مسافة يومين من وصول بعثة الصندوق، وبدء عملها مع المسؤولين اللبنانيين، شكل موقف للمديرة التنفيذية فيه كريستالينا جورجيفا لمحطة ” CNBC” تحذيرا بالغ الأهمية، اذ لم تكتف بوصف الوضع في لبنان بأنه ” صعب جداً وليس هناك وقت لإهداره”، بل ذهبت ابعد بقولها انه من المهم للبنان الحصول على الدعم الدولي ليس فقط لانه يحتاج الى هذا الدعم، بل لانه يحتاج الى إظهار قدرته على قلب مصيره، آملة ان تنجح الحكومة في سلوك مسار واضح لمعالجة الاختلالات القائمة، واظهار القدرة على القيام بالاصلاحات المطلوبة.

وعليه، ينتظر ان يشكل الاسبوع الطالع محطة حاسمة في اتجاه اتخاذ الخيار الذي ستسلكه الحكومة والسيناريوات الذي سيتبع في عملية اعادة الهيكلة.