//Put this in the section //Vbout Automation

الحريري يقاوم في بيئته السنّية… وظل ”حزب الله” والرئيس يلاحقه

ابراهيم حيدر – النهار

قبل أن يعلن رئيس الحكومة السابق سعد الحريري انتهاء التسوية السياسية مع العهد، ويصوّب على رئيس الظل جبران باسيل، كانت القوى السياسية والطائفية كلها تعيد ترتيب أوضاعها لضمان مكتسباتها في السلطة. بدا أن أهل الحكم يسعون الى الحفاظ على التركيبة الحالية للنظام من مواقعهم واصطفافاتهم وكأن شيئاً لم يتغير منذ 17 تشرين الأول 2019 تاريخ انطلاق الانتفاضة الشعبية، وتسعى الى استمرار هيمنتها.




قرر الحريري خوض معركة استعادة موقعه في بيئته وشد العصب السنّي. بدا انه لا يريد أي مواجهة مع “حزب الله” أو الثنائي الشيعي الذي لا يزال قوياً في هيمنته على السلطة. لكن معركته التي فتحها مع “التيار الوطني الحر” لن تجعل “الحزب” يقف جانباً انما سينحاز الى حليفه، بعدما أنتجا حكومة من لون واحد، فيما خطاب الحريري في ذكرى استشهاد والده لم يقنع الحلفاء السابقين في 14 آذار على ما ظهر في مواقف متفرقة لـ”القوات اللبنانية” والحزب التقدمي الاشتراكي.

صارح الحريري جمهوره في 14 شباط بأنه ذاهب الى المعارضة، لكنه لم يستطع اقناعه بانكفائه الى معارضة جزئية للهيمنة التي انقلبت على التسوية واعتبر انها كانت للحفاظ على الوضعين المالي والاقتصادي، وهو يعرف أن التسوية التي نشأت عام 2016 وجاءت بالعماد ميشال عون الى قصر بعبدا واعطته رئاسة مجلس الوزراء، كرست واقعاً في البلد تمكن خلاله عون من أن يفرض واقعاً جديداً، فيما كان جبران باسيل الرجل القوي في مجلس الوزراء وكأنه صاحب القرار الأول والاخير، علماً أن التسوية التي انخرط الحريري فيها جعلته ضعيفاً أمام الاصطفافات الطائفية الاخرى، وهو يتحمل جزءاً من المسؤولية عما حل بالبلد.

عاد الحريري الى الاستقواء ببيئته السنية. خطابه ليس استعادة لثوابت 14 آذار ولا عودة اليها، وليس أيضاً تشكيل معارضة جبهوية وطنية مع أطراف آخرين، بل من أجل شد العصب وترتيب بيته الداخلي ضد ما اعتبره استهدافاً للحريرية. وقد كان واضحاً في الذكرى أن الحريري الذي يسعى الى استعادة مرجعيته القوية، يخوض معركة مباشرة مع “التيار الوطني الحر”، وليس مع الفريق الذي يعدّ الاقوى في البلد من موقعه الاقليمي وفائض قوته. وفي هذه المعركة يحاول الحريري استعادة تجربة والده التي خاضها بوجه الرئيس السابق إميل لحود وضد حكومة الرئيس سليم الحص في ظل الوصاية السورية عام 1998، من دون أن تكون لديه المناعة الكاملة في بيئته ولا الحاضنة الوطنية التي يمكن الاستناد اليها، وبالتالي كان واضحاً انه يستثني قوى اساسية في البلد هي في صف الممانعة. في حين أن الحريري الأب كان متسلحا بعناصر القوة في بيئته السنية ولديه القدرة على الخرق في الطوائف الأخرى، علماً أن الأوضاع كانت مختلفة، فلا ثورة ولا أوضاع استثنائية. ويضاف الى ذلك اليوم إعادة إظهار اسم شقيقه بهاء الذي يغطي بعض التحركات الموجهة ضد سعد الحريري، ما يذكّر برمي اسمه قبل التأسيس للتسوية التي أعادت الحريري الى رئاسة الحكومة في 2016.

تحييد الحريري لـ”حزب الله” عن معركته التي قررها مع “التيار الوطني الحر”، وتحييد الرئيس عون، هو تحييد سياسي، أي انه لا يريد مواجهة مباشرة معه، لكنه تطرق الى الجانب الآخر المتعلق بالاقتصاد، لكن هذا النوع من المواجهة لا يفيد في شد العصب والتصدي للمشكلة الحقيقية، أي أخذ البلد الى المحاور والهيمنة على القرار السياسي. وفي المقابل فان تركيز الحملة على باسيل يساهم في اعطائه قوة استثنائية، فإذا كان في إمكان باسيل التعطيل، فإنه قادر أيضاً على الوصول الى ما يريد ليس بصفته رئيساً للظل بل أن يصبح رئيساً حقيقياً. ولهذا السبب كان الحريري غير موفق أمام جمهوره ولا في رسائله العربية والدولية عندما حيّد رعاة باسيل والتحالف القوي وراءه، اي أن الحريري حسم بأنه لا يريد المواجهة المباشرة مع فائض القوة، تماما كما سار في التسوية التي أخذت الكثير من رصيده، خصوصاً السير ضمن السياسات التي قررتها حكومته والتي حمّل باسيل مسؤولية التعطيل فيها والوصول الى حال الانهيار.

يعرف الحريري أن الطرف القوي اليوم في البلد والممسك بقراره هو “حزب الله”، فإذا اعتبر أن باسيل هو الذي عطل مسيرة العهد، يعني ذلك أنه ترك التواصل قائماً مع الرئيس عون ومع الحزب المتحالف معه، وهما مسيطران على الحكومة اليوم ويرعيان مسيرتها، ما يعني ان عودة الحوار مع باسيل لن تكون مستحيلة، وهو ما عبّر عنه باسيل باللقاء لاحقاً انطلاقاً من “التفاهم الوطني”. الاكيد ان ليس في إمكان الحريري تكرار تجربة والده بين عامي 1998 و2000، وهو لن يصبح قوياً على قدر والده الشهيد ذاته ليكتسح الشارع في أي انتخابات، وهو يحتاج الى أكثر من اعادة هيكلة لـ”تيار المستقبل” الذي يعاني انفصاماً مع بيئته. واذا كان يريد أن يكون شفافاً ونقدياً عليه أن يضع أسساً سياسة واضحة تحدد الخلل وتصوب على اصل المشكلة، والاهم انه هو نفسه مسؤول أيضاً عما اصاب البلد ضمن سياسات السلطة والتحالف الطائفي الحاكم، والذي أودى به الى الانهيار.

صحيح أن الحريري خرج من التسوية، لا بل ان الثورة اللبنانية أسقطت محاصصتها، إلا أنه يبقى جزءاً من تسوية أهل السلطة وتحت جناحها اليوم، اي “حزب الله” والعهد، ويسير في سياساتها التي تريد الحفاظ على التركيبة الراهنة، فيما هناك من قرر السير بمزيد من قضم الصلاحيات مدعوماً بفائض القوة التي يمثلها “حزب الله” الذي لديه أجندات متعددة قد تؤدي في حال بقي الحريري وغيره على هذه السياسة إلى تغيير وجه لبنان. وعلى هذا، سيستمر الحريري في العمل على استعادة العصب السني في ظل احتفاظ “حزب الله” بقوته، فيما باسيل سيستفيد مسيحياً من الحملة التي تساهم في تكبيره، وتبقى الساحة المسيحية مفتوحة على الصراعات. أما الازمة المالية التي لم تستطع الحكومة الجديدة تحديد خطة واضحة لمواجهتها، فقد تكون مقدمة لتغيير جذري في البنية اللبنانية كلها.