//Put this in the section

لماذا الاصرار على الانتحار التدريجي؟ – مروان اسكندر – النهار

الاشارة في العنوان إلى الانتحار تفيد عن توجه لبنان نحو الافلاس على صعيد اطفاء الدين العام ولو تدريجاً، الامر الذي يفاقم فقدان الثقة بقيادة لبنان السياسية ومن ثم يضر باللبنانيين الذين ينتظرون الافراج عن ودائعهم وعدم ابتلاعها باللامسؤولية السائدة.

يوم عيد مار مارون وفي الكنيسة التي تحمل اسمه والتي تستضيف عادة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء في ذكراه، تصدى مطران الموارنة في بيروت لأوجاع القيادة اللبنانية السياسية ومعاصيها ولم يوفر أحدًا، وتالياً بيّن ان “التيار الوطني الحر” الذي كان مؤسسه يتصدر المشاركين في القداس لا يمثل المسيحيين اللبنانيين، وهذا الامر كان واضحًا منذ انتخابات 2018 التي حاز فيها فيها التيار أصواتاً تقل عن تلك التي نالها مرشحو “القوات اللبنانية”. ومنذ فترة اعلن كل من شامل روكز العسكري المتميز ونعمت افرام انسحابهما من “التيار الوطني الحر”، وميشال معوض، نجل الرئيس الشهيد رينه معوض، أعلن تكرارًا انه نائب مستقل.




حينما تشكلت الحكومة، أشرنا الى انها تشمل شخصيات موثوقاً بها من أكثرها تميزاً وزيرا المال والخارجية، وكذلك وزيرا الاقتصاد والبيئة، ووزيرتا الاعلام والعمل والأخيرة تمثل “المردة”. وقد أوضح رئيس “المردة” الوزير السابق سليمان فرنجية ان مشاركة تياره في الوزارة لا تعبّر عن اقتناعه بمنهج الحكم وتوجهاته وسيرة بعض أعضائه.

هنالك الكثير من الاقتراحات لمواجهة الأزمة وبعضها يحظى بتواقيع عدة منها ما هو مقنع ومنها ما هو ترداد لافكار، ومناصب بعض الموقعين لا تفيد بشيء.

هنالك حل مقنع وتدريجي يبدأ باستبدال وزير الطاقة الذي هو من صميم فريق الطاقة منذ سنوات والطلب من نعمة افرام أو منصور بطيش تولي هذه المسؤولية وحينئذٍ يكون ثمة اقتناع لدى المشاركين في مؤتمر “سيدر” خلال ربيع 2018 بان الحكم في لبنان حزم أمره على تكليف أصحاب الخبرة والتفكير مشكلة الكهرباء، وفي امكان أي من منصور بطيش، أو نعمت افرام، خفض عجز الكهرباء بنسبة 50 في المئة هذه السنة وازالة العجز كليًا مطلع السنة المقبلة. لقد استطعنا استقطاب اهتمام نائب ووزير سابق متميز هو انور الخليل الى وجهة نظرنا في شأن سوء سياسة الكهرباء وتعجيز لبنان.

ومن أجل توضيح مغزى هذه الصورة لا بد من الاشارة الى ان التعاقد مع أي من الشركات الكبرى المختصة بتوليد الكهرباء سواء مؤسسة الكهرباء الفرنسية (التي هي شركة مساهمة بنسبة ملحوظة) أو شركة “سيمنز” أو شركة الكهرباء الصينية يؤدي الى مفعول يتجاوز العجز المستمر على مستوى ملياري دولار سنويًا، لان الشركات المعنية تستطيع انتاج الكهرباء وتوزيعها على مستوى 12-14 سنت للكيلووات/ ساعة، الامر الذي يوفر نصف تكاليف انتاج الطاقة حاليًا من مؤسسة كهرباء لبنان، ويزول ضغط تمويل عجز الكهرباء المصطنع الى حد بعيد، والذي توسع الى حد ما مع اقدام الوزيرة ندى البستاني على توسيع دور الوزارة في استيراد المشتقات من البنزين والديزل الخفيف، اضافة إلى مستوردات الفيول أويل والديزل غير الخفيف. وهي صرحت في احدى المرات بأنها لا تعتبر الـ33.9 مليار دولار ديناً، قبل تخصيص 1.8 مليار دولار هذه السنة وفي الموازنة التي يصوت عليها، وكل ذلك قبل احتساب تكاليف فاتورة هذه الديون التي ترفع عجز الكهرباء في عهدة التيار وعهده الى ما يفوق الـ54 مليار دولار وهذا المستوى من المديونية هو المسؤول الاول عن الأزمة الحالية.

اضافة الى الخطوة الأولى المتمثلة في احلال منصور بطيش أو نعمة افرام محل وزير الطاقة الحالي وتعديل مسؤولية الانتاج والتوزيع خلال ستة أشهر على الاكثر، هنالك خطوات بعد تنفيذ هذه النقلة يمكن ان تبدو مقنعة للهيئات التي أعلنت نيتها دعم حاجات لبنان، خصوصاً لانجاز مشاريع البنية التحتية، ومن هذه اعطاء مسؤولية الكهرباء لشركات مختصة، الامر الذي يؤدي الى الغاء دعم مؤسسة كهرباء لبنان، وفي الوقت ذاته نحقق وفرًا في الانفاق على الكهرباء المؤمنة من المولدات الخاصة يساوي على الاقل مليار دولار، وهذا المبلغ يتأمن للمشتركين للانفاق على حاجاتهم، ويسهم في زيادة معدل النمو بنسبة1.5 في المئة سنويًا.

اضافة الى تحصل منفعة للمشتركين، هنالك جانب آخر لا بد من ذكره الا وهو ان الصناعة تحقق منفعة كبيرة من توافر الكهرباء دون انقطاع ومقابل تكاليف تنافسية بدل تحمّل ما معدله 25 سنت للكيلووات/ ساعة الامر الذي يحد من قدرة الصناعة على المنافسة.

الحكم والحكومة متأخران عن المعاصرة، فهنالك حديث عن مقاربة صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدة تقنية ولا نسمع عن أي اتصال بوزير المال سابقاً الدكتور جهاد ازعور الذي يمثل الصندوق في منطقة الشرق الأوسط ومنها لبنان.

ان معالجة قضية الكهرباء، التي اوصلتنا الى ما نحن فيه، يمكن ان تستدرج مع تحسن النظرة الى لبنان إمكان تشجيع الصين على الاستثمار في تحسين مرفأ طرابلس وتطويره بحيث يقدم خدمة كبيرة للبنان وسوريا، وكذلك الامر بالنسبة إلى مطار رينه معوض، وبعد سنة أو سنتين نستطيع استبيان حماسة شركات لبنانية وشركة النفط الصينية لإنجاز مشروع توسيع مصفاة طرابلس وتطويرها، فنكون مع بداية عهد جديد على أمل استعادة الحيوية والسمعة الطيبة.

لا يخفى ان قضية الكهرباء المزمنة في مفاعيلها الكارثية تتجاوز العقبات التي يشهدها القطاع المصرفي والتي تؤدي الى تبخر الثقة بهذا القطاع، ولا تكفي وعود أي من اعمدة هذا القطاع بعودة الحياة الى طبيعتها في شهر حزيران المقبل.

اننا نواجه استحقاق اقتراض دولي علينا ان نسدده، فنحن في المقابل نشهد استلابًا لقيمة الودائع برسوم غير مبررة على الحسابات الجارية، ومن المؤكد ان قدرة مصرف لبنان على تسديد ودائع المصارف (غير الالزامية) لا تتوافر حاليًا، وتالياً فإن الامتناع عن تسديد القرض الخارجي يؤدي الى زوال الثقة بالمصارف كما هو الحال مع المودعين الذين يشكون من المعاملة الجائرة التي يلقونها.