//Put this in the section //Vbout Automation

الشباب يسعون إلى الهجرة: أليس من حقّنا أن نعيش بكرامة؟

هجرة اللبنانيين مسلسل مستمر على مر العقود، وتشتد وطأتها مع كل أزمة، فما بالكم بزمن اندثرت فيه آمال الكثير من الشباب باحتمال التغيير في بلدهم وتحقيق الاستقرار والازدهار والنظام المشتهى .

وإن عُدنا إلى الماضي قليلاً واستمعنا إلى قصص وروايات أجدادنا وآبائنا، نلاحظ الكثير من الأسى والظلم في الحرب، إنما تتردد على مسامعنا جملة أخيرة، يقولون فيها “كنا عايشين أفضل من اليوم، وكان معنا ناكل ونشرب”. فاقتصادنا على شفير الهاوية، وسط غياب أي خطط أو حلول، ولو مبدئية، لتفادي اتساع رقعة الفقر أقلّه. فما هو حال الشباب، وهل يسعون إلى الصمود في بلاد أجدادهم أم يتّجهون إلى الخلاص بأنفسهم عند أقرب سفارة؟




يعتقد البعض أنّ المشكلة في لبنان هي ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء مقابل الليرة اللبنانية، ولكن فعلياً يمكن القول إنّ المشكلة الأساسية هي في اقتصادنا الريعيّ الذي لا يعطي لقطاعاته أي سبيل للتطوّر والإنتاج، وغياب دعم الدولة للقطاعات التي تُقدّم مردوداً مادياً ولو متواضعاً يُمكّننا من النجاة أو الصمود في حال الأزمات. وبالتالي نعيش حالياً نتاج سنوات وسنوات من السياسات المذلولة للديون، أنتجت أزمة مالية واقتصادية تؤثر على المواطنين كافة. والشباب إن أردنا وصف حالتهم بجملة واحدة فهم “في حالة يأس مستمرة”.

“الفرار هو الحل”

تكلل زواج رِوى وحسن بصبي منذ سنتين تقريباً، يعيشان بتواضع في شقة مستأجرة في بيروت ويعملان بوظائف متوسطة، استطاعا من خلالها تأمين حياة متوسطة لعائلتهما الصغيرة. رِوى لا تُفكر بالإنجاب مجدداً، رغم أنّها وزوجها يحبّان الأطفال، وتضيف: “عم جرّب خلّص هالصبي من المأساة بلبنان”. وقالت لـ”النهار”: “منذ نحو 6 أشهر ونحن نلاحظ غلاء الأسعار وارتفاع الدولار، وبصراحة لا نتأمل خيراً، بل نُجمع على أنّ لبنان يسير في طريق حالك لا تُعرف نهايته”. أما الحل فوجده الزوجان عبر استعمال مدّخراتهما ومحاولة النجاح بامتحان IELETS بمعدل عال للسفر نهائياً إلى أوستراليا. ومنذ نحو 3 أشهر والزوجان يدرسان اللغة الإنكليزية على أمل أن تسمح لهما الشهادة الجامعية والخبرة المهنية بأن يلوذا بالفرار إلى حيث الطقس الجميل والحياة الكريمة بعيداً عن الخوف من الحرب والفقر والتشرّد.

“أليس من حقّنا الإنجاب؟”

إن جلست في أحد المقاهي مع مجموعة من الشبان، فإن أكثر كلمة تسمعها حالياً هي امتحان IELETS، ومن لا يعرف عن هذا الامتحان، فهو ما تعتمده السفارة الكندية والأوسترالية لتحديد كفاءة الفرد باللغة الإنكليزية أو الفرنسية، لجمع نقاط تُخولهم قبول السفارة طلبهم بالهجرة النهائية مترافقاً مع مبلغ موجود في حسابهم المصرفي يُمكّنهم من العيش لبضعة أشهر حتى يجدوا وظيفة دائمة في بلاد الاغتراب. وتقول رنا لـ “النهار”: “أعرف 10 عائلات على الأقل يدرسون للـ IELETS حالياً بهدف الهجرة”. فهي التي تزوجت منذ سنتين وحتى اليوم لم تستطع الإنجاب بسبب الأوضاع الراهنة في البلاد. ويوضح زوجها عمر: “نعيش بالديون بشكل مستمر، فندفع شهرياً لقرض الإسكان، وقرض سيارة إضافة إلى فاتورتين للكهرباء وفاتورتين للمياه، ولا ننسى الإنترنت واشتراك المحطات الفضائية والطعام والشراب، بحيث لا يبقى معنا أي مبلغ للخروج إلى أي مطعم أو مقهى متواضع”، مضيفاً: “خرجتُ مع زوجتي للعشاء في آب، فكيف سنستطيع الإنجاب؟ لذلك حالياً ندرس اللغة الانكليزية كي نهاجر إلى كندا”.

“لا للحب في لبنان”

لارا امرأة في الثلاثينيات من عمرها، تُعتَبر حالتها الاجتماعية والمادية أفضل من باقي الشابات في عمرها، إذ لديها وظيفة جدية في إحدى المنظمات الدولية، ولكنّها في المقابل تساعد والدتها في مصاريفها، إضافة إلى أنّ حال خالتها متواضع فتُقدّم لها مبلغاً بسيطاً شهرياً، فلا يبقى لها سوى نحو 200 ألف ل.ل فقط للعيش لبقية الشهر. وتدرس حالياً في المنزل يومياً بعد انتهائها من العمل، وتحلم بالسفر إلى أوستراليا حيث يمكنها متابعة تحصيلها العلمي، إذ تحلم بالماجستير. أما عن شريك العمر، فتقول: “لم أفكر بهذا الأمر منذ سنوات، فالعمل وتأمين مصاريف الحياة أنهكاني، لربّما في سيدني أرتاح قليلاً وألتفت إلى حياتي العاطفية، خصوصاً أنّ الأمل غير موجود في لبنان، وأحياناً أفكر أنّه من الأفضل ألا أحب في لبنان لأنني سأكون عبئاً على الشريك إن كانت حالته المادية متواضعة أيضاً”.

طلبات شهادات للهجرة ممتلئة في مكاتب الجامعات

تحضّر وفاء وزوجها الأوراق المطلوبة لملف الهجرة إلى كندا، من أوراق العمل خلال ١٠ سنوات الماضية وشهادات الجامعة إضافة إلى الأوراق الثبوتية التي طُلبت منهم. وفاء تعمل في مجال الصحافة، وزوجها سامي في المعلوماتية والكمبيوتر. واجها الكثير من المصاعب في بلدهما حتى اتخذا القرار الابتعاد عن عائلاتهما والهجرة إلى كندا، بدءا بعملية احتيال تعرّضا لها بعد أن دفعا مبلغ 30 ألف دولار لمتعهد بناء غادر لبنان ولم يسلمهم الشقة التي اختاروها، وصولاً إلى عدم تمكن وفاء إيجاد وظيفة منذ سنتين.

أما موضوع الإنجاب فتم “تأجيله حتى الوصول إلى الأراضي الكندية”، كما يقول الثنائي. واللافت أنه عندما ذهبت وفاء لاستلام شهادتها من الجامعة اللبنانية، وجدت على مكتب المنسقة ملفات لا تعد ولا تحصى لتلاميذ يطلبون شهاداتهم بغرض الهجرة، ووصفتها المنسقة بـ”جبل من الملفات التي لا تعرف متى ستتمكن من إنهائها”.

ما هي المعايير التي تزيد من فرص اللبنانيين لقبول طلبات الهجرة؟

أكثر طلبات هجرة اللبنانيين هي لأوستراليا وكندا، وكندا أكثر باعتبارها أسهل للبناني من جهة فرق التوقيت والسفر، فالرحلة من كندا إلى لبنان تستمر 14 ساعة تقريباً، بينما نحو يومين من أوستراليا إلى لبنان. أما قانونياً، “فليس هناك أي معوّق قانوني يمنع اللبناني من تقديم طلب هجرة”، وفقاً لما قاله المحامي باسم ضاهر لـ”النهار”.

وأضاف ضاهر أنّ “قانون الهجرة عند الدولة الكندية واضح ومنصوص، ويقضي باعتماد 5 معايير أساسية لقبول الطلب، ولكن طبعاً تبقى مكوّنات ملف الفرد النقطة الحاسمة”. والمعايير هي:

1- العمر (أفضل عمر لتقديم طلب الهجرة ما بين 22 سنة وأواخر الثلاثين).

2- التعليم (خصوصاً إن أكمل شهادة الماجيستير).

3- الخبرة العملية (وتحديداً إن كانت متعلقة بالشهادة الجامعية).

4- تواجد أقارب لمقدّم الطلب في كندا.

5- اللغات (لغة متقدمة في العربية والانكليزية والفرنسية).

وعن عمليات الاحتيال الكبيرة التي ظهرت خلال الأعوام الماضية عن طريق شركات أو محامين يؤكدون للمواطنين قبول الدولة الكندية طلبات هجرتهم، وتنتهي بحالة نصب، شدد ضاهر على ضرورة أن يعرف المواطن أنّ 3 أطراف أساسية فقط بإمكانها المساعدة في سدّ ثغرات ملفه فقط لا غير وليس في ضمان قبول الطلب. وهذه الأطراف هي” المستشارون والمحامون وكتّاب العدل المعتمدون من قبل الدولة الكندية، ويمكن للبناني التأكد من أرقامهم على الموقع الرسمي لكندا”.

أرقام ووقائع

أصدرت “الدولية للمعلومات” أرقاماً اعتبرتها “مقلقة” عن السفر والهجرة، مشيرة إلى أنّه منذ منتصف كانون الثاني وحتى منتصف تشرين الثاني 2019 وصل عدد اللبنانيين الذين سافروا ولم يعودوا إلى 61,924 لبنانياً مقارنة بــ 41,766 لبنانياً خلال الفترة ذاتها من العام 2018 أي بزيادة 20,158 لبنانياً، ما نسبته 42 في المئة، وأكدّ الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لـ”النهار” أنّ “82 في المئة منهم تبلغ أعمارهم 40 سنة وما دون، معتبِراً أنّه لا يمكن معرفة الأسباب الحقيقية وراء هجرتهم”.

لكن “الخلاص من لبنان” يمكن أن يكون الجواب الصحيح.

المصدر: مارسل محمد – النهار