//Put this in the section

وما أدراك ما التاريخ! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

يقف المتابع السياسي والمؤرخ الاجتماعي بذهول تام وهو يتابع تداعيات المشاهد الدامية في العالم الإسلامي والناتجة عن التطرف الشديد في الآراء المتشددة المليئة بالبغض والكراهية، التي استجدت وأصبحت لسان حال المنطقة. ولكن التاريخ يقول لنا غير ذلك.

دمشق عاصمة الدولة الأموية، التي كان فيها جالية مسيحية ضخمة جداً، حتى إن وزير مالية الخليفة معاوية وطبيبه وإحدى زوجاته كانوا من المسيحيين. بغداد بعد ذلك كانت أكثر قبولاً واتساعاً في قبول الآخر.




كانت المدن متعددة الجنسيات ومتعددة الأعراق ومتعددة الثقافات، تماماً مثل الإمبراطوريات التي تشكلت عبر القارات تحت الحكم الأموي ومن بعده العباسي. وهذا له جذور بدأت منذ وصول الخليفة عمر بن الخطاب إلى القدس، وقام بتطهير المسجد الأقصى والمنطقة التي حوله من تجاوزات حصلت من قبل الحكم الموجود، وخصوصاً حرمان اليهود من الصلاة في مواقعهم على أيدي المسيحيين الحاكمين وقتها، ودعا اليهود إلى استئناف صلواتهم بسلام، وقدم بذلك سابقة تاريخية للتعايش مهمة ولافتة، وذلك على عكس الغزاة المسيحيين الذين أغلقوا المساجد الخاصة بالمسلمين في كل من المجر واليونان وإسبانيا.

المسلمون من جانبهم لم يفعلوا ذلك بل على العكس؛ قرطبة تحت حكم المسلمين أصبحت منارة للتعايش والعلوم والسلام والسلم الاجتماعي والتسامح، وأصبحت أكبر مدن أوروبا. حتى إسطنبول، التي تحولت إلى مدينة إسلامية عام 1453، أصبحت مركز الكنيسة الأرثوذكسية، وأيضاً مقراً للحاخام الأكبر بالنسبة للديانة اليهودية.

هذا التنوع والثراء حوّل هذه المدن المهمة العظيمة إلى معامل للأفكار المؤثرة والمهمة والكبيرة مع الوقت. بعد وصول اختراع الورق في القرن الثامن فتحت المدارس وانتشرت العلوم، وبعدها انطلقت الأكاديميات للتعليم الأعلى، مع توفير كتب لمكتبات هائلة ومهمة.

جامعة القرويين أسستها امرأة في مدينة فاس بالمغرب عام 859، وهي اليوم أقدم كيان تعليمي متواصل في العالم. ابن توديلة زائر يهودي إلى بغداد في القرن الثاني عشر، قال بدهشة: «قابلت الخليفة الذي تحدث معي بالعبرية وكان يقرأها أيضاً. الحاكم المسلم الثالث (أكبر) الذي حكم الهند أطلق منظومة للحوار بين الأديان، وانطلقت مبادرات مماثلة في كابل ومصر وغيرها. ولكن مع صعود النفوذ الغربي، عادت المنطقة إلى الداخل فأصبحت الروح العنصرية والرأي المتشدد هما سادة الساحة.

هناك كتاب بديع وممتع اسمه «الإمبراطوريات الإسلامية» للكاتب جاستن ماروتزي الذي يوضح هذا التاريخ وأسباب التعصب الذي طرأ اليوم وأصبحت بالتالي الصورة مشوهة. هناك مسلمون يؤمنون بالتعددية والانفتاح والتجارة المفتوحة واحترام الآخر المخالف، إلا أن صوتهم تم كبته ومنعه وتخوينه، وفي بعض الأحيان تكفيره لفترة طويلة. هذا ماضٍ قبيح.

مطلوب اليوم إعادة نقد التاريخ بصورة موضوعية، لأن التاريخ تم تشويهه عمداً، وأصبح لا يكتبه إلا المنتصرون ولا يصدقه إلا المغفلون.