//Put this in the section

لبنان يفتقدك – الياس الديري – النهار

أن تكتب عن غياب رجل البناء والإعمار، ومنح كل طبقات الشعب اللبناني الأمان، لا يمكن أن يكون إلّا ذلك الشهيد الحاضر. إنّه رفيق الحريري رفيق لبنان الوفي. عاشق بيروت يوم كانت حالات الزمان عليها شتَّى. أبو الفقراء. والد 36 ألف طالب تخرَّجوا من جامعات دوليّة مختلفة، مع اختصاصات تنسجم وإبداعات العصر المتقدَّمة. خافوا من إخلاصه لبلده، وإصراره على عودة لبنان الذي دمّروه ليرتاحوا منه، فكانت المؤامرة.

كما لو أنّه في هذه الساعات، في هذه اللحظات، مع زائريه في السبل التي تتناسب والنهضة المستجدَّة لسيّدة العواصم. بيروت قضيّته، كانت مثلما كانت قضيَّة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمدَّ الله بعمره.




هكذا، في مثل هذه الأيّام، مثل دائماً، مثل اليوم، يحضر صوته من بعيد. فيقول المُنتظرون في الصالونات: لقد وصل دولة الرئيس. انه مصدر راحة البال. مصدر أمل لكثيرين. إنّه فاعل خير لا تدري يمناه ما تحمل اليسرى. كان كلّه لأفعال الخير، ومساعدة المحتاجين، وفتح السبل أمام أصحاب المواهب والكفاءات. ومن غير أن يدري أحد. ومن غير أن يكون فعل الخير لأكثر من إرضاء ذاته، مع الشكر الدائم لربّ العالمين.

منذ ذلك اليوم الأسود لا يزال بعض الناس يمرّون تقصُّداً من أمام فندق “السان جورج” ليتوقَّفوا دقائق للتأمّل في المكان الذي لا يزال يضجُّ بذلك الدويّ. وحيث تمثال الشهيد المُقيم دائماً في نفوس الناس وأحاديثهم. ولو كان الرئيس رفيق الحريري حيّاً لكان لبنان قد استعاد زمانه الجميل، ولكانت بيروت لا تزال سيِّدة العواصم.

ما من حديث سياسي حول ما آلت إليه حال لبنان، إلّا وكان رفيق الحريري موضوعه. في الملمّات الصعبة، في الأحداث الماليّة التأزيميّة، يستحضره دائماً صاحب المال وصاحب الحال. كما صاحب البنك وصاحب الوديعة. ودائماً وأبداً ينطلق الكلام من “لو كان الرئيس الحريري موجوداً الآن”.

لا يزال راسخ الوجود في كثير من البلدان والأمكنة. ولا يزال بعض الأوفياء يستذكرونه في الملمّات، كما لو أنّه راسخ الوجود. كما لو أن لغم المجرمين لم ينفجر قبل 15 عاماً. كانت زوبعة. كانت عاصفة. كان مجرّد إعصار من ذوي الدويّ الطنّان. ورفيق الحريري لم يكن هناك تلك اللحظة. هذا الكلام عن انفجار، ودوي، واغتيال رفيق الحريري لا يعدو كونه أحاديث نساء وأغبياء ومقاهٍ.

كثيرون من مُحبّيه ما زالوا ينتظرون أن تستجيب بيروت للدعاء. وأن يُلبّي اللبنانيّون نداءات الرئيس الحريري الذي قتله حبّه النقيّ لوطنه. لشعبه. للأجيال الجديدة. للأمل في الرجوع إلى الزمن الجميل، ماأحلى الرجوع إليه.

إبّان مرحلة انتشال لبنان المدمَّر، وبيروت المحطّمة المُندثرة، كنت في رفقته. خلال الأمسيات يشدّ الركاب إلى الجولات، سيراً على الأقدام: هنا يحتاج إلى إعادة تخطيط. فوق إلى جانب سوق الطويلة، يجب أن تكون الفسحة أوسع.

التشديد على عودة بيروت ذاتها. بردائها القديم، بتخطيط أسواقها، بتنويع زواريبها من دون تغيير الملامح. في كل يوم عنده مشوار تفقّديّ. ساعة، ساعتان، ثلاث، ثمّ الملاحظات وإصلاح ما توجبه دالة بيروت.

كلّما حلّقت به طائرته في “مشوار إنتاجي” يحمل معه لبنان إلى الرؤساء وكبار المسؤولين. من هنا نبدأ. على هذا الأساس نبني. وإن كان المُخرّبون سيشنّون عليه في اليوم التالي هجوماً هستيريّاً، يفضح حقدهم على رجل يصرّ على استعادة لبنان المثال والنموذج. بقي هو نفسه. وبقي لبنان هو قضيّته. وبقي الحاقدون له في المرصاد.

إلى أن اهتزَّت بيروت بذلك الزلزال الاغتيالي: لقد اغتالوا عاشق بيروت وفارس مجد لبنان.