//Put this in the section

زمن الشوق إلى الكبار

الدكتور داود الصايغ – النهار

ما كان متوقعاً بعد رفيق الحريري ان تتعثر خطوات الدهر في لبنان. لأن ما تمّ رسمه على يده كان معداً للأمام، على نحو ما هي حياة الأوطان وحياة الذين وهبوها لها.




ما كان متوقعاً للضمائر التي أيقظها رفيق الحريري ان تعود وتتعرض للاستسلام، على نحو ما هي الحال في هذه الأيام. وبعدما اشتعلت أنوار الأمل معه اثر محن الحروب وسنوات اليأس.

ولعل البسطاء من أهل الأرض، وهم أصدق من يحسن التعبير، يقولون اليوم في السر وفي العلن: ترى لماذا كان الموت من مواعيد هذا الرجل. ترى، لو انه عاش، أما كان على الأقل جاء لنا بالكهرباء، مثل سائر بلاد الناس، ووظف مليارات الدولارات المهدورة في سبيلها ليرفع المزيد من أبراج لبنان في العالم؟

كلا. لم يكن الموت من مواعيد رفيق الحريري. لأنه سبق له أن ضرب موعداً مع الحياة. عشق الحياة وعشقته. أعطاها وأعطته. كأنه خلق منذوراً لها، وكل ما توفره نعمتها من الينابيع الدافقة بالخير والسنى، في رحابة القلب وسخاء اليد وكرم النفس.

هكذا نشأ وعاش وبنى، وهكذا نقشت صورته في النفوس. واللبنانيون، تراهم اليوم، في زمن التحسر، يرفضون أن يصبح رفيق الحريري من حسراتهم، وأن تتوالى سنوات مناسبات استشهاده، وتكرار ما حقق وما أنجز. لأن الحاضر المؤلم هو ما يشدهم إلى زمانه.

لكن هذه السنة بالذات، في الذكرى الخامسة عشرة، لها معنى مميز، كون المقارنات سهلة حتى على الأطفال. هذا هو. وهؤلاء هم أنتم. أنتم الذين تتعمدون كل يوم ارجاع الأزمة الحالية، إلى السنوات الثلاثين الفائتة، وتنعون الحريرية السياسية، من غير أن تدركوا أن رفيق الحريري نفسه لم يكن يعرف معناها، ذاك الذي تبحثون عنه يومياً، تبريراً لفشل الفاشلين والذين ما حققوا سوى الوصول إلى الكراسي. لأنه إذا كان لحركة رفيق الحريري من معنى، فإنها لم تكن سوى للوطن. ذاك الذي تدفعونه هذه الأيام إلى حافة اليأس.

“ولدت هذه الحكومة على حافة اليأس”، قال رفيق الحريري في بيانه الوزاري. لأنه كان يدرك معنى هذا الكلام، يوم اقتحم الركام في سنوات الحروب وبعدها، ليبعدها عن طريقه وطريق اللبنانيين، لأن الركام ذلّ فكيف به إذا داخل النفوس. والحرب ذلّ والهجرة ذلّ أمام الشباب، فأقام مؤسسة لتعليمهم في أرقى الجامعات الأجنبية، وباتوا جيشاً صغيراً من الذين سجلوا أسماءهم في دفاتر الأيام، أيام لبنان الناهض من سنوات الدمار. دون انتظار الآتي من الخارج، وصدور القرارات الدولية والعربية. لكنه كان مستعداً لذلك اليوم، لأنه كان مؤمناً بأن الحروب ستنتهي، وأن إعادة البناء آتية.

لا يذكر تاريخ لبنان الحديث العديد ممن أنجزوا. إذ في ما عدا آباء الاستقلال، مع الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما من المؤسسين، ما زالت إصلاحات الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964) هي وحدها المستمرة على صعيد بناء الدولة. لم يضف إليها الكثير في ما بعد. وعندما خاض رفيق الحريري تحدي إعادة الإعمار، في الزمن الصعب، زمن الوجود السوري، وزمن الاعتداءات الإسرائيلية، كان يعرف كيف يستمر ويتصرف. حسبه انه، عام 1996، أثناء حرب ما سمي عناقيد الغضب، كان له الفضل في استدراج الاعتراف الدولي بالمقاومة، حين التزمت فرنسا جاك شيراك، بكل ما يمثله الثقل الفرنسي الدولي، التوصل إلى الحل يومذاك. فجاء إيرفيه دو شاريت، وزير الخارجية الفرنسي، إلى بيروت، وقت ذهب وارن كريستوفر الأميركي إلى اسرائيل. لأن لبنان يومذاك، ارتقى إلى المنزلة التي تعود إليه، فحقق تفاهم نيسان.

ولم يخطئ البابا يوحنا بولس الثاني حين التقاه في نيسان 1993 للمرة الأولى، وامتدت مقابلته الشخصية معه أكثر من الوقت المتعارف عليه حين قال له: “أنت المسؤول”، على إدراك تام منه، أنه شخصية سنية في البلد الذي يرأسه رجل مسيحي. وتعددت لقاءاتهما ليصبح رفيق الحريري محاور الفاتيكان لبنانياً وعربياً.

وهذا ما سبق للبطريرك نصر الله صفير أن أدركه، فالتقت نظراتهما مع نياتهما، دونما حاجة إلى الكلام، في ما كان مطلوباً يومذاك من أجل لبنان.

وأدرك ذلك فلاديمير بوتين، حين عمل رفيق الحريري على إدخال روسيا في منظمة العالم الإسلامي. وتبادل الانحناءات مع امبرطور اليابان، والعناق مع بيل كلينتون والسلام الأخوي مع ملك اسبانيا، وتقبل الوسام الذي أحب الحسن الثاني أن يهديه إياه أثناء زيارة مقره في قصر الصخيرات، بعدما كان بنى أكبر جامعة في الدار البيضاء، ودون ذكر رؤساء اوروبا ومسؤوليها، مع حرصه الأول والمتين على العلاقة المؤسسة مع البلد الذي تبادل معه العطاء بسخاء، المملكة العربية السعودية.

من رفع العلم اللبناني في شوارع طوكيو وواشنطن وشانغاي وسيول، وفي كندا والنمسا وايطاليا واليونان والبرازيل والارجنتين والمانيا والدول السابقة في الاتحاد السوفياتي، استيقظ لبنان في عيون القادة، بعد سنوات الحروب والدمار.

لم يكن ذلك الأفق الخارجي وحده هو الذي تطلع إليه رفيق الحريري. كانت رؤيته أوسع من أن تنحصر ومشاريعه للبنان أكبر من أن تعد. حالم دائم فضله انه تمكن من تحويل الأحلام إلى وقائع. قبل أشهر من استشهاده كان يدرس مشروع إعادة بناء السرايا الصغيرة في آخر ساحة الشهداء، كما كان يعد لاستقدام “الاوبيك” إلى بيروت من النمسا، بعدما استعاد “الاسكوا”. كما كان يعد لسباق “الفورمولا وان” في سباق السيارات. كان يعرف أين يقف الحلم وأين يبرز الواقع. فالمشاكل لها حلول، وهو كان مدركاً ان الحكم كله مشاكل. لكن فضله انه لم يقل أنا هنا لا تخافوا. بل قال انتم هنا لا تخافوا. لأنه كان عارفاً، أقله من تجربته الشخصية، ان اللبنانيين جبابرة شرط ألا تضربهم نكبات الداخل، كما هي الحال اليوم، خصوصاً مع الذين يردون اخفاقاتهم إلى مسؤولي الأمس، إلى النصوص، إلى اتفاق الطائف، ويأخذون لبنان إلى حيث يجب ألا يكون، في زمن القاء المسؤوليات على الغير، مثل كل الضعفاء في كل زمان ومكان. لذلك فإن هذا اليوم، هو زمن الشوق إلى الكبار.