//Put this in the section

بين سطور زيارة دياب إلى ”دار الفتوى”

مجد بو مجاهد – النهار

حلّت زيارة رئيس الحكومة حسّان دياب إلى دار الفتوى من دون التماعٍ أو زخم استثنائيّ يمكن اضفاؤه على المشهد العام. وحصل اللقاء المرتقب والمتوقّع بعد نيل الحكومة الثقة بسرعة ومن دون تخطيط أو تنظيم مسبق. ذلك أنه في المعلومات، اتصل مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان برئيس الحكومة بقصد التهنئة بعد نيل الثقة، وما لبث الأخير أن عبّر عن رغبته في زيارة الدّار والتي تُرجمت سريعاً. لكنّ غياب البريق عن مضمون الزيارة، كان لافتاً أكثر من اللقاء المتوقّع نفسه، نتيجة جملة اعتبارات عبّرت عنها مجموعة مواكبين.




ويكمن أول هذه الاعتبارات في أن دياب كان قد كُلّف تشكيل الحكومة ومن ثمّ عمل على تأليفها من دون أن يحظى باستقبال دار الفتوى أو دعمه للوصول الى سدّة الرئاسة الثالثة. ويتمثّل ثاني الاعتبارات في أن استقباله في الدار لا يعدو كونه إجراءً طبيعيّاً بعدما أصبح رئيساً للحكومة وبات عضواً طبيعياً في المجلس الشرعيّ.

والثالث أن زيارة دياب ليس من شأنها أن تُترجم على شاكلة دعم أو تأييد له من الدار، بل يمكن اعتبارها بروتوكوليّة – شكليّة، وهي أقرب في طابعها الى الزيارات التي قام بها إلى رؤساء الحكومات السابقين بُعيد تكليفه، من دون أن ينبثق من هذه الزيارات أيّ موقفٍ مؤيّد لدياب الذي تحوّلت مهمّته في البحث عن وزراء سنّة يشاركونه في مسيرته الحكوميّة أشبه بالمستحيلة نتيجة تخطّيه الارادة السنيّة وعدم أخذه في الاعتبار الموقف الجامع المتحلّق حوله الأقطاب السنّة والقاعدة الجماهيريّة. وما لبث أن ترجم السخط على دياب وحكومته بتموضع الأقطاب السنّة في موقع المعارضة ورفضهم منحها الثقة. ولوحظ أنّه لم يخرج أيّ موقف سياسيّ الطابع من دار الفتوى، واختصر توصيف فحوى اللقاء بالقول إنه ناقش أوضاع المسلمين، ما من شأنه أن يؤكّد المؤكّد بعدم إضفاء “زبدة دعم” فوق المشهد الحكوميّ. وبذلك، تنتهي مفاعيل زيارة دياب مع انطفاء لمعة عدسات الكاميرات التي التقطت صور اللقاء وظهّرتها قبل أن تقبع في أدراج الأرشيف.

ويتقاطع أكثر من مصدر سياسي في تقويم الزيارة المصنّفة في خانة الطبيعيّة بعد نيل الحكومة الثقة، على اعتبار أنّه لم تسجّل قطيعة في أي مرحلة من المراحل بين دار الفتوى والسرايا الحكومية أيّاً تكن الاختلافات في الآراء السياسية التي يمكن وضعها جانباً. ستكون العلاقة أقرب الى تنظيمية لأوضاع الطائفة السنيّة بين الدار والسرايا في عهد دياب، علماً أن العلاقة كانت أقوى وأعمق مع رؤساء الحكومات السابقين نتيجة تحدّرهم من بيوتات سياسيّة، خصوصاً أن علاقتهم مع الدار كانت سبقت تولّيهم سدّة الرئاسة الثالثة.

ليس من شأن الزيارة أن تبدّل في المشهد القائم على الصعيد الشعبيّ أيضاً، مع عدم بروز أي تحوّل في الموقف الجماهيريّ السنيّ غير المتقبّل للحكومة ورئيسها. ويتردّد في الصالونات السياسية السنيّة أن المسألة تخطّت راهناً الشارع السنيّ. وباتت مشكلة الحكومة قائمة مع الشارع اللبنانيّ عموماً نظراً إلى انطلاقتها الضعيفة وتبنّيها موازنة حكومة سابقة وصياغتها بياناً وزاريّاً كان محطّ انتقادات واسعة على أنّه شاعريّ ومطوّل، ما عكس قناعة بعدم القدرة على بلورة أي اجراءات انقاذية.

وعليه، يعود دياب الى قواعده في السرايا حيث شاء أن يقطن، مشيّداً بلوكات مسلّحة بينه وبين الشعب المنتفض، فكان له بتربّعه على سدّة الرئاسة الثالثة أن ابتعد عن نبض الشارع بأبعاد ثلاثية: شعبية وسياسية ودوليّة. وكان للحكومة ورئيسها أن تشبّثوا بالشكليات التي لم تقتصر على زيارة دار الفتوى بل سبقتها شكليّات في البيان الوزاريّ والصور الفوتوغرافية “التذكاريّة” مع سفراء وديبلوماسيين من دون أن يرشح منها أيّ مواقف ايجابيّة في مضمونها عربياً ودولياً. وهنا لا تصيب الانطباعات التي كانت روّجت لآفاق ايجابيّة مفتوحة أمام السرايا على النطاق العربيّ والأوروبيّ والأميركيّ، وهذا أصبح متيقّناً لدى المعنيين اللبنانيين.

وفي المعلومات، أنّ زيارة سفير المملكة العربية السعودية وليد بخاري الى دار الفتوى لا علاقة لها بالشأن الحكوميّ ولا يمكن ترجمتها على أنّها إعطاء ضوء أخضر لدياب، بل من شأنها أن تضفي روحيّة من الدعم والحماية للدار، وأن تترجم على أنّها تأكيد لوقوف السعوديّة الى جانب اللبنانيين في شتّى المراحل والأزمنة. لم تطرأ أيّ معطيات جديدة حول موقف المملكة حيال الحكومة اللبنانيّة سوى الاحتكام الى الصمت من دون تسجيل أيّ انطباعٍ سلبيّ أو ايجابيّ، رغم محاولة دياب قرع أبواب الرياض. ويُستقرأ موقف هادئ من هذا النوع على أنّه متوازن وعميق، خصوصاً أن لا مشكلة ذات طابع شخصيّ مع دياب. ويبقى العنوان الكبير في فلك المواكبين، حرص السعودية على لبنان والذي يتخطّى في ارتقائه وعمقه وتاريخه الواقع الحكوميّ القائم… مهما أطبقت غيوم “حزب الله” على سماء لبنان.