//Put this in the section

بعد 15 سنة لا يزال يؤرقهم!

علي حمادة – النهار

اغتيل رفيق الحريري في قلب بيروت منذ 15 سنة ورغم مرور كل هذا الوقت لا يزال جزء من النقاش لا بل من التساجل السياسي في البلد يركز على الرجل وعلى المرحلة التي تسلم فيها رئاسة الحكومة والإرث الذي خلفه. فبينما تعتبر شريحة كبيرة في البلد ان الحريري شكل علامة فارقة في تاريخ لبنان، وانه يمكن كتابة تاريخ لبنان وفق المعادلة الزمنية “ما قبل رفيق الحريري وما بعده”، وترى فيه الرجل الذي عمر البشر والحجر قبل ان يصل الى رئاسة الحكومة سنة ١٩٩٢، وبعدما وصل اليها. ثمة شريحة وقعت تحت تأثير الحملات التي صوبت على الحريري خلال حياته، ولم تتوقف بعد مماته، فتواصلت الحملات ضده وضد كل ما مثله الى حد تحميله مسؤولية كل مشاكل البلد استنادا الى طروحات اقتصادية قالت ان الحريري أسس للاقتصاد الريعي الذي انتهى اليوم الى ما يشبه الانهيار. اكثر من ذلك خيضت حملات شرسة ضد الحريري ظاهرها اقتصادي وباطنها سياسي منذ الفترة التي كان رئيسا للحكومة، وحتى عندما كان يخرج من الحكم. وقد امتزجت السياسة بالطروحات الاقتصادية لشن حرب ضد الرجل الذي اقل ما يمكن قوله انه شغل الحيز الأكبر من المساحات النقاشية والسجالية حتى اغتياله وبعد اغتياله، ولغاية اليوم، حيث تتجدد الحملة على رفيق الحريري، ربما تهربا من المسؤوليات المباشرة للعديد من القوى السياسية التي أسهمت بسلوكها، وسياساتها، وأدائها في إيصال لبنان الى هذه الازمة العميقة التي يرزح تحتها.




لقد عايشنا مرحلة الحريري خلال حياته، وخلال توليه لموقع المسؤولية، وما نشهده اليوم وهو امر لافت جدا، هو كيف ان الرجل حتى بعد اغتياله بخمسة عشر عاما لا يزال عرضة لحملات الفريق عينه الذي كان يشن حملات عليه في حياته، وقد حملوه مسؤولية الدين العام في الوقت الذي تشير فيه الأرقام الى ان الدين العام كان بحدود ٣٧ مليار دولار عند غيابه سنة ٢٠٠٥، فيما ارتفع الى ما يقارب الـ٩٠ مليارا اليوم. والأهم من ذلك كله ان الذين ركزوا على قضية الدين العام، فاتتهم في اتهاماتهم الإشارة الى ان الحريري وصل الى رئاسة الحكومة سنة ١٩٩٢، في وقت كانت البلاد الخارجة للتو من حرب دامت خمسة عشر عاما شبه مهدمة. فقد كانت معظم المدن، والمئات من القرى في البلاد مهدمة بشكل كامل او جزئي، مع بنى تحتية تعود الى ما قبل ١٩٧٥ شبه مهدمة، وعشرات الآلاف من اللبنانيين بين مهجرين ومحتلين لمنازل الآخرين. اضف الى ذلك صناعات مهدمة ومرافق كالمطار والمرافئ في حالة تكاد تجعلها شبه متوقفة. كان الجيش ومعه بقية القوى الأمنية في حالة تشرذم. اكثر من ذلك كان وسط بيروت مدمرا بالكامل، ويقطن فيه اكثر من خمسين الف شخص كمهجرين. كانت جميع المؤسسات العامة التربوية والصحية والإدارية في حالة يرثى لها. الى هذا الواقع قدم رفيق الحريري، ومهمته إعادة بناء البلاد بأسرها، ومحاولة دفعها للحاق ببقية دول المنطقة التي حققت قفزات كبيرة خلال اكثر من سبعة عشر عاما مقارنة بلبنان الذي لم يكتف بالتوقف عند محطة ١٩٧٥، لا بل انه تراجع ثلاثة عقود الى الوراء.

لقد شنت حملات على الحريري خلال حياته وبعد مماته، والأرقام وحدها ستبين خلفيتها السياسية، ويجب ان توضع بين ايدي الناس ليحكموا. ولعل اكثر ما يلفتني ان الحريري بعد اغتياله خلال خوضه معركة تحرير لبنان من الاحتلال لا يزال يؤرق الفئة عينها المتهمة بقتله، او بمناصرة قاتليه تواطؤاً بشتى الأساليب.