//Put this in the section
سمير عطا الله

يقظة الموارنة – سمير عطاالله – النهار

كتبنا لجنابكم الأسبوع الماضي أن من ميزات الحياة في الجمهورية اللبنانية صمود الأسماء في مسمياتها. كمثل قولك المصارف، وعملها الأساسي عدم صرف الأموال أو صرفها لغير أصحابها. أو قولك البنك المركزي، وعمله الإضافي تأمين مشتريات الحليب والأدوية وباقي لوازم الأطفال والمواليد الجدد، الذين قضت أقدارهم أنهم يأتون في زمن لا يرزقون، ومَن يولد منهم في طرابلس فمحظور عليه المرور في الفتوح والجرد ونيون المعاملتين.

ومن جملة التسميات الصامدة، الثقة. الناس في الشوارع والأرض في المقالع والدولة مرابع مرابع (واللعنة على السجع) ونحن نبحث عن شيء يدعى (بكل جرأة) الثقة.




جدران وعساكر وطرقات مقطوعة وأرزاق مقطوعة وحمامات مقطوعة مياهها، ونحن مصرون على أن ما نبحث عنه هو الثقة. اصطفلوا. هكذا كان اسمها عندما كان يعد الدستور ميشال شيحا وبترو طراد وعمر الداعوق، وهكذا سيبقى. ثقة، يعني ثقة. مرة ذهب صعيدي إلى العمل في الخليج حيث أمضى ثلاث سنوات، ولما عاد وجد أن زوجته وضعت ثلاثة أولاد، فخرج إلى عتبة بيته ضارباً يديه على صدره هاتفاً: آهو يا بهوات. سافرنا ما سافرناش، نخلّف يعني نخلّف. ثقة يعني ثقة ونص. أو نص ثقة. وعلى نبيه بري أن يتحمّل باقي الأوزار كما فعل دوماً. فعندما يفقد هذا البلد توازنه بسبب خفة الأوزان ولهو الولدان وظهور الزعران (واللعنة على السجع) يضع نبيه بري ثقله في الميزان. هذا ما نكرره دوماً: رجل السياسة هو لكل الأيام وكل المناطق وكل الكلام. رجل الدولة لحماية الوطن من السقوط في فتنة أشقياء، كما حدث سنة 1860، يوم اشعلت الحرب الكامنة في الانتظار، خناقة بين أولاد بلا تربية.

دائماً المجازر يبدأها الغبي المفيد The useful idiot. النباهة ضمانة الأوطان. وأياً كانت علل هذا المجلس وعنصرية القانون الذي انتخب في ظلّه، وديكتاتورية الصوت التفضيلي، تلك الهرطقة البالية في نقض الديموقراطية، فكيف ديموقراطية وحصرية في وقت واحد.

أياً كان الأمر، يجب ألا يسقط البرلمان بين أقدام الثورة، ولا المسار البرلماني ضحية لسوء الأمانة وسوء التقدير وثقافة ما سماه المطران فيليب عبد الساتر “المماحكات”. فما وجد اللاهوتي المثقف كلمة أفضل للرثاثة التي نحن فيها.

ما دمنا في هذا النظام المتخبّط، القاصر عن بلوغ أبسط المثل الجمهورية، لا بد من البرلمان. وإلا عمّت الديكتاتوريات الصغيرة وتفشّت ونمت شهوات الحصر والأسرة، وعدنا إلى حضارة الأغيار التي نشرها اليهود: كلّ من ليسوا يهوداً هم أغيار، ولهؤلاء ما فاض عما هو لنا: لنا القدس ولنا الضفتان ولنا غور الأردن، ولكم ممر أبوديس ومخيّم شعفاط.

“اختلال العالم” ليس في لبنان فقط. دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو كلاهما أمام المساءلة الأخلاقية. وقد نجا الأول بتصويت حزبي لا ببراءة قضائية. تماماً في الأصوات التي نالتها حكومة الرئيس حسّان دياب وهي تقبل على نفسها الاستمرار في فضيحة الكهرباء التاريخية، كما قبل رئيسها الجلوس وحيداً في مجلس النواب كما جاء وحيداً. مسؤولية دياب، أولاً وأخيراً، هي تقبّل المسؤولية في غير زمنها. رجل بمثل كفاءاته يأتي من أجل أن يخطط لقيام دولة قابلة للحياة. أما الدولة التي كلّف رفعها، فهي والبلد والناس في قعر وادي ثقيف الذي غنّت نجاح سلام (أم سمر) لظبائه البيضاء “يا ريم وادي ثقيف”. ولم يبق للحكومة الاختصاصية التكنوقراطية الانقاذية المستقلّة، ما تتذرّع به سوى سرب الظباء. لكننا لسنا في مباريات جمال نهاية الصيف بل في مسابقة حول بقاء الكيان الذي صمد مائة عام. والمسألة ليست حقوق المرأة بل حقوق جميع الأجناس، في بلدٍ يموت فيه “المتحولون” جوعاً ومرضاً واضطهاداً تحت أكوام القمامة – المادة الوحيدة التي لا تعاني نقصاً أو ذبذبة في سعر الصرف.

المشكلة ليست الثقة في حكومة يرفض الجميع تبنيها. “كتلة الوفاء للمقاومة” لم تكتفِ يتصريح لأحد أعضائها بل أصدرت بياناً رسمياً تنفض فيه اليد من التشكيلة. حكم مسبق، غير موضوعي، على رجل لا تعرف الناس عنه شيئاً سوى سيرته الأكاديمية. لكن مشكلة حسّان دياب ليست في شخصه بل في جميع ظروفه. ما من أحد مقتنع بأن حكومة وادي ثقيف هي حكومته، والجميع يحمّله مسؤوليتها، اليوم وغداً.

كثير من المعارضين لا يعترضون عليه شخصياً بل على ظروفه. على السلطة التي فضّلت أن يتناثر البلد بين يدي رجل بلا قوة سياسية، على أن تسلم المسؤولية الى صاحب قرار وقدرة، على مواجهة ضباع الفساد عديمي المشاعر.

إذ تنفض “كتلة الوفاء للمقاومة” يدها، وتتحد المعارضات صوتاً واحداً وتشتعل الشوارع في عزّ البرد، من يكون أبو هذه الحكومة اذن؟ لم يبق سوى المارونية السياسية في شكلها الحالي ووجوهها الراهنة. لكن المارونية الكبرى، المارونية التي سعت في إقامة لبنان، لها أيضاً مقاوموها وصديقوها ولها أمراؤها المتواضعون كالحملان. وقد عادت الإمارة إلى أبرشية بيروت في ثوب ناصع وقلب نقي ولغة مسيحية.

منذ سنوات طويلة لم يسمع اللبنانيون عظة كالتي ألقاها يوم الأحد المطران فيليب عبد الساتر في ذكرى أبي الطائفة. كم تليق الإمارة الكنسية بهؤلاء الشجعان المؤلفة قلوبهم. فيما يتمرّغ سياسيو الموارنة في صغائر الدنيا، انتفض هذا الأب الصديق في وجه تجار الهيكل. لقد أعاد فليب عبد الساتر لأبرشيته مكانتها في وسط بيروت، في قلب لبنان، رفيقة للثوار في جوارها الديني والوطني، المساجد والشهداء وكنيسة النورية وجميع لبنان. لقد عاد صوت لبنان المرفوع الرأس والصافي الرؤية والنقي القلب، إلى ساحة الشرف الوطني واللبناني في ملتقى لبنان. نقية سوف تقرع أجراس مارجرجس بعد الآن.

أخبرني الطبيب الصديق ساسين نجار، المقيم في ولاية نيوجيرسي، انه في إحدى زياراته لبيروت ذهب إلى رئيس جامعة الحكمة الذي لا يعرفه، وكان اسمه فيليب عبد الساتر. وقال له انه يريد التبرع بمنحتين دراسيتين ويرجو أن يعطيه اسمي طالبين. وعاد بعد ايام ليسأل عن الاسمين فوجد أن أحدهما يدعى (رمزيا) محمد أحمد علي. فقال ساسين للأب فيليب: لكن هذا الطالب مسلم. أجابه أمير مارجرجس وحبر العاصمة: “المنح الدراسية تعطى وفقاً لاستحقاقات الطلاب وظروفهم، لا وفقاً لشهادة القيد”.

لا تسمح حرمة الكنيسة بالتصفيق، لكنّ المصلين وقفوا وصفقوا لهذا “الكلام الجوهري” الذي تلي بصوت عال مثل عظة الجبل. العظة من أجل لبنان، كانت كمثل رسالة الخلاص في هذا القتوم الأسود، حيث لا تستطيع الدولة أن تقدم لشعبها سوى الجدران. ليست المسألة ولم تكن ثقة النواب بالحكومة. انها ثقة الشعب بالدولة وثقة الأمم بلبنان. وانهيار ثقة اللبنانيين جميعاً بإمكان البقاء، مع تكاثر علامات الساعة على نحو مريع.

اثنان على المحك: لبنان والمارونية التي كانت سبب وجوده كدولة. لا يمكن أن ينهار واحد ويبقى الآخر. أو يعتّل واحد ويصمد الآخر. ولئن عادت بكركي والكنيسة إلى اتخاذ جانب الشعب بدل التقاتل على مواضع الانهيار وشطط السلطة، فأنما هي بارقة أمل حقيقية نحو ردع السياسيين عن طرق الخراب ودروب النهايات الواضحة لمن له عينان تريان وأذنان سامعتان.