//Put this in the section
راجح الخوري

جلسة تأبين لبنان المُفلس! – راجح الخوري – النهار

لا، ليس كما قال الرئيس حسين الحسيني أمس، من ان ما نشهده اليوم يعبر عن خرق كامل للدستور، بدءاً من فقدان السلطة السياسية إحترام الناس، مروراً بمجلس النواب غير الشرعي، ليس هذا فحسب، وليس ما جرى جلسة مناقشة بيان وزاري إنشائي إجتراري لتاريخ من الأكاذيب والوعود الزائفة التي أدت الى إنهيار لبنان نهائياً، ما جرى أمس أننا كنا امام جلسة تأبين جديدة صريحة فاضحة وواضحة للدولة اللبنانية. كنا أمام جلسة لتأبين حاضر الشعب اللبناني ومستقبله، والمفارقة ان الذين قتلوا لبنان وشعبه، هم الذين وقفوا خطباء التأبين، جلسة أشبه بالتشييع وسرد الفواجع، نعم الشعب اللبناني كان المقتول الذي يُقتل مرة جديدة، بالجوع والقهر والبطالة وقنابل الغاز وخراطيم المياه في وقت جليدي … ونعم كانت جلسة جديدة لمناقشة بيان وزاري لحكومة بلد مُفلس ومُنهار، والمفارقة أنها حكومة من رحم أولئك الذين صنعوا الإنهيار والإفلاس أصلاً.

ما كان يجري في داخل “الثكنة” النيابية، على ألسن النواب وفي خطبهم المضحكة – المبكية، من جلدٍ لعيوب الحكومات والمسؤولين وما فعلوا من القباحات وما إرتكبوا من الفساد والنهب وما راكموا من الديون وما تسببوا به من إفلاسات ومآسٍ، لكنهم هم أنفسهم الذي تعاقبوا على مراكمة هذه الجرائم، وقياساً بالشعب الذي كان يُجلد في الخارج بالغاز والماء والهراوات وحتى بالتعرض للدهس بالسيارات، بعدما تعرض على إمتداد أعوام البؤس للفقر والمرض والإنتحار عوزاً، قياساً بهذا بدا كأن القاتل هو الذي يرثي القتيل ويتفجّع عليه، في مسرحية مُكررة ومبكية تماماً.




لم يكن في وسع حتى تشاوشيسكو أو عيدي أمين أو أي مهرج وديكتاتور في تاريخ مهازل العالم، ان يفعل هذه المساخر الفظة بعد ١١٠ أيام من ثورة شعب يصرخ ان لا ثقة بهذه الحكومة الخارجة من رحم الطقم السياسي إياه، الغارق في الفساد والنهب.

جلسة وسط حصارين : فالشعب يحاصر النواب محاولاً ان يسدّ عليهم جلسة لتمريغ الديموقراطية مرة أخرى، والسلطة تحاصر الناس بالعوائق والنار والاسمنت والهراوات والشريط الشائك، ما حوّل البرلمان مرة أخرى امام أنظار دول العالم، ثكنة عسكرية تحمي ممثلي الشعب من غضب الشعب المنهوب والثائر، بينما راح الصليب الأحمر يلتقط ٤٥ جريحاً ويسعف ٣٢٨ مختنقاً من الناس، الذين كانت تكال الأكاذيب والمزاعم والأوهام باسمهم داخل البرلمان.

كانت جلسة تأبين ممجوجة ووقحة للبنان وشعبه المدفوع الى اليأس والهجرة والبطالة والجوع والتسول، لكن فحوى معظم الكلمات والأكاذيب التي قيلت في محاولة لإسترضاء الناس وتبني مطالبهم، كانت بمثابة تأبين للسياسات التي نفذها هؤلاء وأوصلت البلاد الى ما هي عليه. لم يبقَ نائب واحد من الذين تعاقبوا على الكلام إلا وتحدث عن السرقات والنهب والفساد والإستغلال والمحاصصة والسطو المتوحش على المال العام، ولم يبقَ واحد من هؤلاء البائسين في معظمهم إلا وجعل نفسه الدكتور شاخت [ وزير مالية الرايخ الثالث] يتحدث عن الدين وتسديد الدين ومعالجة الدين وجدولة الدين وعن سرقات المصارف ونصفهم على الأقل من أصحاب هذه المصارف أو من ناهبيها، ولم يبقَ واحد من هؤلاء إلا وحاول إسماع الشعب المقتول صوته الناشز والمطلوب على الأقل الحياء والذهاب الى الإستقالة من جريمة تفليس الوطن!

معظمهم تحدث عن حكومة الفرصة الأخيرة، لكن لم يعد هناك من فرصة لسرقة ليرة أخيرة، وفي النهاية قال الرئيس الحسيني “العصابة سطت على المصرف، إتفقت على السرقة، وإختلفت على تقاسم الحصص” … لكن إبشروا، ثورة الجوع ستأكلكم!