//Put this in the section
راجح الخوري

مار مارون: لا ثقة! – راجح الخوري – النهار

وسط الدشم والعوائق، حرص مارمارون في عيده، على ان يقف مع المواطنين الذين يعلنون الثورة على دولة الفساد، وان يرفع معهم لافتة تقول “لا ثقة”، ليس للحكومة فحسب، بل لمنظومة الدولة الغارقة في الفساد، والتي أوصلت لبنان الى الإنهيار!

كان المشهد غريباً، لكأننا أمام عملية إنزال عسكرية، وليس امام كنيسة الجميزة في عيد شفيع لبنان، وكان مشهد السجاد الأحمر وسط العوائق والدشم مثيراً، والأكثر إثارة ما تردد عن توزيع صور الصحافي الأرمني الفرنسي ليو نيكوليان، على رجال الأمن ليترصدوه، بعدما كان تصدى للرئيس إيمانويل ماكرون صارخاً به : “لماذا تدعم الفاسدين في لبنان”، طبعاً خوفاً من ان يقفز فجأة من بين الجمهور ليفاجىء الداخلين الى الكنيسة. كل هذه المظاهر ذكّرت البعض بباريس يوم كانت تحت الإحتلال النازي، جدران إسمنتية ترافقها تهديدات قوية، فماهي ضرورات السجاد الأحمر ومار مارون كان في محبسة، ولهذا من الضروري تكرار السؤال : ما هي المسافة التي تفصل بين الدولة العمياء والشعب الميتّم والمذبوح، الذي لا يجد أمامه سوى الإنفجار الكامل، في ثورة تقلب صفحة الخراب الذي تراكم منذ أعوام والذي يستفحل يوماً بعد يوم؟ لكن مار مارون كان ينتظرهم في الداخل، ووقف محدقاً في وجوههم جميعاً، وخاطبهم كما يستحقون جميعاً، بلسان سيدنا المطران بولس عبد الساتر، وعبر كلماته وحبره وأقلامه الرائعة جداً، وحزمه الذي بدا انهم ضاقوا به، خصوصاً بعدما صفق له الحاضرون، على قلّتهم بسبب الجدران وما أدراك ما الجدران، وهكذا إستمعنا الى صوت مار مارون على لسان المطران عبد الساتر الشجاع، وبكثير من الإحترام، سمعنا صوت الشعب في صوت عبد الساتر، ولأن صوت الشعب من صوت الله كانت السماء هناك، وعندما وضع عبد الساتر عينيه في عيون الرؤساء والمسؤولين وراءهم إرتفع صوت مار مارون ايضاً، وطلّ معه صدى صوت المطران الياس عودة وصوت الشيخ ياسر عودة أيضاً:




أيها المسؤولون ماذا تنتظرون؟ وما قيمة الإنسان إذا كانت حياته عقيمة ولا يترك له سوى ذكرٍ سيئ من الإنسانية والتسلط والمكابرة على الله والعباد، أقول لكم أيها المسؤولون إن السلطة خدمة، فلقد تعبنا من المماحكات العقيمة والإتهامات المبتذلة، مللنا القلق على مستقبل أولادنا والكذب والرياء، نريد مبادرات تبثّ الأمل وأفعالاً تبني، نريدكم قادة مسؤولين، بما يعني أنكم بعيدون عن هذه المسؤولية؟

وبدت العظة كصوت حبيس غاضب: “ألا يحرّك ضمائركم نحيب أم على ولدها الذي إنتحر امام ناظريها لعجزه عن تأمين الإساسي لعائلته، إوليست هذه الميتة القاسية كافية لتخرجوا الفاسد منكم وتحاسبوه وتستردوا ما نهبه من الشعب”؟.

كانت الأيقونات تصفّق وبدا مار مارون مسروراً، وكان في وسع بعض الحضور إبتلاع ريقهم ومرارتهم طويلاً، قبل ان يأتيهم التذكير، بأن من أنتخبوكم يستحقون ان تصلحوا الخلل وان تعملوا ليل نهار مع الثوار الحقيقيين أصحاب الإرادة الطيبة [نعم الثوار] على إيجاد حلٍ لحياة كريمة وإلا فالإستقالة أشرف!

كان مار مارون يلقِّن عبد الساتر: أيها الرؤساء الثلاثة لا نزال نصدق أنكم مسؤولون ولن تخذلونا، وإلاّ فالويل لنا جميعاً، ولأن الشعب حبيس الفساد والنهب والفقر والأهمال، سينفجر بكم لأن ليس في وسعكم حبسه كالماء. كان التصفيق حاداً من الأيقونات الى المباخر الى الأكفّ في الداخل وعلى إمتداد كل شبر من لبنان.