//Put this in the section

القيود المصرفية ترفع نسبة المبيعات العقارية إلى ٦٠٪: ربَّ ضارة للمصارف… نافعة للقطاع العقاري

سلوى بعلبكي – النهار

أن تصل نسبة انتعاش القطاع العقاري الى ما يقدر بنحو 60%، فهذا يعني أن الازمة النقدية التي يعاني منها لبنان وصلت الى حد غير مسبوق بسبب شحّ السيولة وفرض المصارف قيوداً على عمليات السحب النقدية والتحويلات إلى الخارج وخفض سقوف بطاقات الائتمان. فالقطاع الذي شهد ركوداً في السنوات الأخيرة بسبب توقّف المصارف عن إعطاء قروض الإسكان المدعومة من مصرف لبنان بفوائد مخفوضة، عاد الى حيويته التي شهدها ما بين 2007 و2011، إذ لم يعد خافيا أن الأزمة النقدية التي يعيشها انعكست إيجاباً على القطاع العقاري في لبنان والدول المجاورة بعدما بات ملاذاً آمناً للبنانيين لاستثمار ودائعهم في ظل الأوضاع الراهنة. ولعل البارز في هذا الاطار هو تعثّر بعض زبائن المصارف عن تسديد قروضهم لأسباب عدة، منها تقاضيهم نصف راتب أو نتيجة صرفهم من العمل بسبب الأزمة الاقتصادية، بما يضطرهم الى إجراء مقايضة، أي الدفع بالعقارات بدلاً من المال النقدي، في مقابل عرض المصارف عقارات تعود لزبائن يعانون من قروض متعثرة نتيجة الضوابط المفروضة على حركة السيولة.




واذا كان البعض يضع اللوم على المصارف في جمود القطاع العقاري بسبب لجوء عدد كبير من المودعين إلى ايداع مدخراتهم في المصارف طمعا بالفائدة المرتفعة بدل توظيفها في قطاعات تشكل ضماناً لها، يؤكد الخبير العقاري رجا مكارم لـ”النهار” أن “الآية انقلبت” إذ “اصبحت الناس مرتعبة من الوضع المصرفي، لذا تجدهم يهرولون من دون وعي لشراء العقارات، وخصوصا اذا كانت أسعارها مغرية أو تلك التي لم تشهد ارتفاعات للاسعار بعد 17 تشرين الاول”.

ووفق ما يقول مكارم “اصبحت المصارف تشكل مصدر رعب للناس الذين يبادرون الى اخراج أموالهم من القطاع وتوظيفها في شراء العقارات. وهذا ما ساهم في وقف الانهيار الذي كان يهدد القطاع العقاري، كما ساهم في وقف انخفاض الاسعار”. ولعل اللافت ان المصارف أصبحت تنافس الوسطاء العقاريين، “إذا لم نقل إنها أصبحت أهم وسيط عقاري، إذ تعمد بعض المصارف الى الاتصال بزبائنها لتشجيعهم على مبادلة أموالهم بعقارات من زبائن آخرين لديهم ديون متعثرة، بدليل أن بعض الزبائن يلجأون الينا كوسطاء عقاريين للوقوف عند رأينا بالعروض التي تقدمها المصارف اليهم”.

هذا الوضع ساهم في ارتفاع نسبة المبيعات العقارية “بعدما كان حجم المبيعات صفراً في المئة، أصبح حاليا نحو 60% في كل المناطق. وتسجل نسبة المبيعات اللافتة في العقارات المستأجرة لتعويض نسبة الفوائد التي كانوا يحصلون عليها من المصارف”.

قبل تشرين الاول كان القطاع العقاري شبه جامد ويتجه نزولا، أما بعد هذا التاريخ فقد تراجعت الخفوضات التي كان يقوم بها المطوّرون العقاريون بغية جذب الزبائن. ولكن على رغم هذه التطورات فإن الضبابية لا تزال مسيطرة حيال مستقبل اسعار العقارات. إلا أن مكارم يجزم بأن “لا امكان لهبوط الاسعار أكثر مما هي عليه حاليا”، مرجحاً “أن تبقى الاسعار على حالها لفترة، خصوصا أن بعض اصحاب العقارات ليسوا في حاجة ملحّة الى الاموال، أو أنهم غير مديونين، لذا تراهم يتريثون في بيع عقاراتهم في هذه الفترة تحديدا حيث الازمة المصرفية على أشدها مع طغيان منطق جديد وخبرة جديدة ووضع لم نخبره من قبل بالنسبة الى التعامل مع القطاع المصرفي”.

وفيما أكد أن الطلب أكثر من العرض حاليا، لفت مكارم الى أن “الكاش من الزبائن عامل مهم لخفض الاسعار. أما اذا كان تسديد الاسعار سيتم بالليرة اللبنانية فإن غالبية المطورين يلجأون الى التفاوض مع الشاري لتقاسم الفارق بينهما ليصبح سعر الدولار 1800 ليرة”.

وفي المقابل، يلاحظ مكارم أن “تشييد المشاريع الجديدة توقف ولن تكون هناك نية للبدء بهكذا مشاريع قبل 3 سنوات على الاقل، الا اذا حصلت معجزة أخرجت لبنان من الوضع المتأزم الذي يعيشه اقتصاديا وماليا، آخذين في الاعتبار القيود المصرفية التي تحدّ من حركة الاموال”.

ولا يقتصر التهافت على شراء العقارات على لبنان، بل تعداه الى دول مجاورة، إذ استشعر بعض المودعين الازمة المصرفية قبل وقوعها، ما حدا بهم الى تملّك عقارات في قبرص، اليونان وتركيا بغية تحرير أموالهم في المصارف اللبنانية، مدفوعين بعامل جذب يتعلق بمنح المستثمرين إقامة أو جنسية مقابل الاستثمار العقاري. وهذا ما جذب القسم الأكبر من المستثمرين اللبنانيين الساعين الى الحصول على جنسية أجنبية، بما أدى الى ارتفاع طلب اللبنانيين على شراء شقق جاهزة أو قيد الانشاء في قبرص واليونان تحديدا عبر شيكات مصرفية بالدولار أو بالأورو.

ويقول رئيس مجلس إدارة شركة “بلاس هولدنغ” في قبرص جورج شهوان لـ”النهار”، “إن كل المودعين مرّوا في فترة هلع وقلق ولا يزالون، مقسماً هؤلاء ثلاثة أقسام: الاول اصيب بالهلع فاشترى ما تيسر له من عقارات، والثاني أبقى نصف أمواله في المصرف، فيما استخدم القسم الآخر لشراء عقارات بواسطة الشيكات، اما القسم الثالث فبقي على قناعة بأن الازمة المصرفية لن تستمر طويلا، فآثر ابقاء امواله في المصرف. أما مَن قرر اللجوء الى القطاع العقاري لتسييل أمواله فقد اتجه نحو شراء الاراضي، لكنه جُبه بأصحاب عقارات أصروا على عدم البيع كونهم غير مديونين، لذا كان مضطرا الى شراء الشقق والمحال خصوصا من اصحاب المشاريع الكبرى المديونين، طمعاً بالحصول على خفوضات مناسبة”.

وهذا الامر ينطبق، وفق ما يقول شهوان، على المطورين، “فنجد المطورين المدينين للمصارف يخفضون أسعار عقاراتهم لكي يسددوا قروضهم خصوصا أن الفائدة مرتفعة وتصل الى 18% في بعض الاحيان، اما الذين لا ديون عليهم فلم يبادروا الى البيع”، علماً أن معظم الصفقات أُجريت على عقارات في بيروت ومحيطها.

وكونه يعمل في القطاع العقاري في قبرص، لاحظ شهوان “اقبال اللبنانيين على شراء الشقق في هذا البلد كما في اليونان. ومن باب الحرص، ينصح المودعين بعدم الهلع والتأني قبل شراء اي شقة، والأفضل ان يشتروا الشقق المنجزة والتأكد من أن المبلغ الذي سيدفعونه غير مبالَغ فيه، كذلك عليهم ان يتأكدوا أن المشروع منجز ولا مشاكل تعترضه”.

ولفت الى مشكلة بدأت تعترض الشارين خارج لبنان، إذ إن بعضهم سدد نصف قيمة الشقة فيما القيمة المتبقية لا يمكن تحويلها من المصارف اللبنانية الى الخارج، مشيرا في هذا الاطار الى أنه سيرسل كتابا في هذا الصدد الى جمعية المصارف لتسهيل معاملات الزبائن الذين اشتروا عقارات في الخارج قبل الثورة وسددوا نصف قيمتها، خصوصا أن ثمة خطورة أن يخسروا الاموال التي دفعوها إذا لم يسددوا الدفعة الثانية.