//Put this in the section //Vbout Automation

الطرابلسيّون يواجهون الفتنة بـ”الله ينجّينا”

ليس المشهد الطرابلسي اليوم غيره كبقية الأيام. فليست المرة الأولى التي تقع فيها أحداث فردية الطابع، يجري تحريكها باتجاهات متباينة، ومغايرة لروح المدينة، ولتاريخها العريق في الانفتاح والتعايش. فقصة شابٍّ تعرّض لإشكال جسدي خارج المدينة، واجهه البعض بكلام نابٍ، ومنافٍ للأخلاق العامة، لا يتوقف عنده الطرابلسيون ملياً، ويكتفون بمشاهدته، والتحسر عليه، عالمين أنهم، مثل كل اللبنانيين، في عالم غير متوازن، ولا متسق.

حادثة الشاب الذي تعرّض للضرب على أيدي مرافقي أحد النواب في جونية، أو ربما في أنطلياس، مرّت كغيرها من الأحداث، رغم ما رافقها من كلامٍ نابٍ. لذلك، كانت الحياة العامة في طرابلس عادية إثر الحادثة، رغم ما شهدته بعض الشوارع من احتجاجات من زملائه ليلاّ، وبعد منتصفه.




عمر س.، شقيق المعتدى عليه، يقول: “عرفت بالحادثة بعد أن نقلها لي أحد المعارف، لقد تعودنا على هذه الحركات من مختلف أصناف الحروب التي مرت بلبنان. إنه بلدنا، وحكايتنا مريرة. وللأسف، الفقراء دائماً وقود الفتنة”.

السيدة روز سابا العائدة من الجبل منذ مدة قصيرة، أحبت أن تستغل الطقس الجميل، وتجوب المدينة التي تاقت إليها بعد غياب أشهر الصيف الطويل الذي وصلته بشهور الخريف، لكن قساوة برد حصرون، حيث منزلها الصيفي، قذفتها إلى مدينتها. سابا قالت: “جلت في الأحياء والشوارع، واستعدت بعضاً من حنين فقدته في الشهور الستة الماضية، وكان لا بد لي أن أمرّ بساحة النور التي شهدت الكثير من التطورات في غيابنا. جو المدينة هادئ، وطرابلس جميلة كما عشناها دائماً. كما أعجبت بالجو الهادئ في الساحة”.

يهزأ وليد ح. صاحب مكتبة في شارع المطران، من حكايات الضرب والاعتداء والتوزيع الطائفي للتهم. يعيش في جونية، ويحضر يومياً لممارسة عمله في طرابلس. لدى سؤاله بطريقة المزح كيف تمكن من الوصول إلى طرابلس، على خلفية الحادثة التي ضجت بها المدينة ليلاً، وهدأت نهاراً: “يخلصونا من هالسخافات. تعودنا على هكذا حركات. ليس صحيحاً أن لبنان يفترض أن يضطرب كلما وقع إشكال بين اثنين من طوائف ومذاهب مختلفة. ستمر هذه الحادثة (وقعت مع ابن جيرانه) كما مرت سابقاتها، وبلا ضحك عالدقون”.

في الشوارع حركة سيارات عادية، مكتظة في الوسط، وخفيفة نسبياً عند الأطراف. الكل في أعماله الخاصة، والمدارس أخضعت التلاميذ للامتحانات النصفية، وفي شارع الجميزات، راح الأولاد يلهون بانتظار حضور الباص لنقلهم، بينما مضت ورش تركيب الأبواب الحديد تجهز “مصرف البحر المتوسط” بالأبواب الحديد -الجرار التقليدية- فقد تم تكسير واجهات البنك أكثر من مرة، في صورة تؤكد إصرار البنك على الاستمرار في العمل، بينما في محيطه، لم يتوقف أحد عند حادثة الاعتداء على الشاب الطرابلسي.

وفي ساحة النور، الأجواء عادية ومريحة، بعض الخيم يقيم فيها ناشطوها، وبعضهم لم يعودوا إليها بعد، بانتظار حلول ساعات بعد الظهر.

وفي شارع الكنائس، يعمل عفيف ص. من إحدى بلدات قضاء زغرتا، ويواصل مبيعاته في الخضروات، أي مواد النجارة ومهن مشابهة. يقول: “حاولت تكراراً فتح محل خارج طرابلس تلافياً لوقوع أحداث تعطلنا عن العمل. لكني لم أنجح إلا هنا، حيث أعمل منذ خمسين عاما”.

شارع الكنائس أمثولة لدرء أية فتنة قد تتبادر إلى ذهن أحد. هو الشارع الوحيد من نوعه في العالم يحمل هذا الاسم، وتكتظ فيه سبع كنائس في مائتي متر، تحتضنها بيئة إسلامية، وعاش فيها كثيرون من المسيحيين قبل مغادرتهم المدينة بالتدريج عقب سلسلة الأحداث التي عصفت بلبنان بدءاً من العام ١٩٧٥.

يعيش الشارع حالة عادية كبقية الأيام، وغالب الناس من مختلف الطوائف لم تسمع بحادثة الاعتداء على الشاب في جونية.

وفي حي السيدة الواقع على مقربة من خط التماس السابق، لا تزال كنيسة السيدة تفتح كل أربعاء وأحد، يقوم بقرع جرسها شبان مسلمون بعد أن غادرت المنطقة غالبية العائلات المسيحية، لكن للكنيسة وقعاً خاصاً عند المسيحيين، وخاصة الموارنة، ولذلك يفدون إليها كل أربعاء وأحد، لممارسة صلواتهم وطقوسهم، قادمين من أحياء مختلفة من طرابلس، وبعض قرى الجوار.

في هذا الحي، يقول الشاب عبد القادر العلي، صاحب دكان مواد متنوعة، رداً على سؤال عن تعرّض الشاب الطرابلسي لاعتداء: “إنه لبنان. ليست هكذا حادثة غريبة علينا، ولقد مرت بنا أحداث أكثر خطورة وعنفاً، لكننا ما زلنا نتجاوزها لإدراكنا أنها الفتنة، ونحن لا نزال نتعايش مع أخوتنا المسيحيين، نقرع جرس كنيسة السيدة، ونهتم بمحتوياتها”، أما زياد حماد فطلب مقاضاة الفاعلين والاعتذار لشباب طرابلس كي لا تتكرر الحادثة.

كنيسة السيدة ترافقها في الحياة العامة مدرسة تُعرف بالمطرانية، تحتوي ما يقارب الأربعماية تلميذ من أبناء الأحياء الفقيرة، وتساعدهم وتقدم لهم التدريس المجاني.

في جولة اليوم في مختلف أنحاء المدينة، لم تترك حادثة الاعتداء على الشاب الطرابلسي أي ردة فعل سلبية، فعاشت المدينة أجواء هادئة، ومن سمع بالحادثة من عامة الناس، أبدى أسفه، وختم بقوله: “الله ينجينا”.

رولا حميد – النهار