//Put this in the section //Vbout Automation

لا جدولة لقروض الإسكان: هل سيمتنع اللبنانيون عن الدفع؟

تحاول المصارف تفادي تداعيات الأزمة الاقتصادية والنقدية التي ساهمت في خلقها.

وبرغم قوّتها المالية والحماية السياسية وغطاء مصرف لبنان، لم تتمكّن المصارف من وقف التحركات الاحتجاجية التي يقوم بها أصحاب الحقوق أمام المصارف وداخلها. والتحركات وصلت إلى حد إطلاق حملة تدعو لعدم دفع القروض، ما حذا بالمصارف وبعض السياسيين للتحذير من مغبة عدم الدفع. فقد يواجه المتمنّعون عن الدفع إجراءات قانونية تنص عليها عقود الاقتراض، ومنها الدعاوى القضائية والحجز على العقارات.. وما إلى ذلك.




لكن بعض المقترضين لم يكن أمامهم خيار سوى عدم الدفع، لأنهم فقدوا وظائفهم. ما أجبَرَ المصارف على القبول بحلول تلجم انفلات الوضع، وانتشار حالات عدم الدفع. فمع زيادة عسر الدفع وتحوّله إلى حالة عامة، لن تتمكّن المصارف من تنفيذ الشروط الجزائية، لأنها ستفجّر أزمة أكبر، خصوصاً في ما يتعلق بقروض المؤسسة العامة للإسكان، والتي ينتظر أصحابها أي معلومة تخفف عنهم الضغط، إن لجهة الالتزام بالجدول الزمني للتقسيط، أو لجهة قيمة القسط، أو حتى لجهة معدلات الفوائد.

محاولة غير كافية
في معرض بحثها عن الخيارات الأفضل بالنسبة لها وللمصارف، ارتأت السلطة السياسية كسب الوقت وتأجيل انفجار مسألة عسر تسديد القروض إلى نهاية شهر حزيران المقبل. فضمّنَت قانون موازنة العام 2020، مادة حملت الرقم 36، تتعلق بالاجراءات القانونية للمهل الناشئة عن التعسر في سداد القروض المدعومة.

وحسب تلك المادة، “تُعلَّق مفاعيل البنود التعاقدية المتعلقة بالتخلف عن تسديد القروض المدعومة من سكنية وصناعية وزراعية وسياحية وتكنولوجية ومعلوماتية وبيئية، بحيث لا تسري على المقترض أي جزاءات قانونية او تعاقدية، بما في ذلك أي زيادة على معدّل الفائدة بسبب التأخير أو التعسر في تسديد قرض أو أي من أقساطه في المهل المحددة قانونياً أو تعاقدياً، اعتباراً من تاريخ 1-10-2029. وتُعلَّق جميع الاجراءات القانونية والقضائية التي بوشرت أو اتخذت اعتباراً من تاريخ 1-10-2019”.
حصر وقف الاجراءات القانونية بتاريخ نهاية حزيران، يعني ترك الاحتمالات مفتوحة بعد هذا التاريخ. علماً أن أسهم استفحال الأزمة مرتفع. ما يعني أن التعسر في سداد القروض قد يرتفع بعد هذا التاريخ. ومع ذلك، لم يتم الحديث عن الاجراءات المرتبطة بما هو آتٍ. بل على العكس، تركت السلطة السياسية الخيار للعلاقة الفردية بين صاحب القرض والمصارف. وبما أن المصارف هي الطرف الأقوى، وصاحب القرض لا يملك أي حماية وأي خيار، سيرضخ لما تراه المصارف مناسباً لها.

بعض المقترضين قد يرضخون لقرارات المصارف برغم ثقلها عليهم، وسيدفعون الأقساط. لكن ماذا يفعل من بات عاطلاً عن العمل؟

اللجوء إلى القضاء
تعمل المصارف منذ ما قبل الأزمة الحالية على “تفهّم الوضع الاقتصادي الذي يمر به الناس”، وفق ما يؤكده رئيس وحدة الدراسات في بنك بيبلوس، نسيب غبريل، الذي يشير في حديث لـ”المدن”، إلى أن المصارف “لم تكن تأخذ اجراءات قانونية بحق الأفراد أو الشركات التي تواجه صعوبات في الدفع. بل تدرس وتعالج كل حالة بمعزل عن الحالات الأخرى، لأن لا هدف للمصارف بالذهاب إلى القضاء لتحصيل الرهن واسترجاع البيوت، وتشكيل محفظة عقارية، ولذلك رحّبت المصارف بالقانون الذي يعطي فترة سماح للناس ويوقف الغرامات بحقهم”.

ويلفت غبريل النظر إلى أنه بعد انقضاء المهلة القانونية، ستحاول المصارف إيجاد حلول أخرى، مستبعداً طرح إعادة جدولة القروض. علماً انه “اذا استنفذت الخطوات الأخرى، ستضطر المصارف للجوء إلى القضاء”.

ويرى غبريل أنه حتى الآن، الفئة الأكبر من أصحاب القروض، قادرة على الدفع وإن ببطء، ويقسم المقترضين إلى ثلاث فئات، “الأولى قادرة على الدفع بشكل طبيعي، الثانية لديها عسر، والثالثة قادرة على الدفع لكن يحاول البعض تحريضها على عدم الدفع”.

تعدد الحلول
يستبعد المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان، روني لحود، توسّع رقعة تعسر دفع قروض الإسكان. ويعتبر أنه بالامكان السيطرة على الوضع، لأن المصارف منفتحة على الحلول المطروحة. ويستند لحود في تقليله من حجم الأزمة إلى معدّل التأخر عن الدفع. فقبل الأزمة “كانت نسبة التعسر لا تزيد عن 1 بالمئة، وحتى اليوم لم يتجاوز التعسر نسبة 4 بالمئة”. ورغم ذلك، لا يدعو لحود إلى اعتبار المسألة بحكم المنتهية كلياً، بل يوافق على ضرورة إيجاد حل مناسب، مع التأكيد على عدم وجود حلّ موحّد ينطبق على الجميع. ويشير في حديث لـ”المدن”، إلى أن المصارف تقترح على بعض عملائها “ترك المبلغ غير المدفوع إلى نهاية المهلة الزمنية للقرض، وحينها يمكن ايجاد الصيغة المناسبة. وهناك مصارف تقترح تقسيم المبلغ على أشهر عدة، على أن يُدفَع المبلغ المقسَّط بالتوازي مع الدفعات الشهرية العادية. وبعض المصارف يقترح فتح حساب فرعي يضع فيه المقترض ما يستطيع دفعه عن الأشهر غير المدفوعة”.

في السياق، يستبعد لحود إعادة جدولة القروض، كما يستبعد خفض الفوائد، فالجدولة “قد ترفع حجم الدفعة الشهرية بالنسبة لبعض أصحاب القروض، بسبب تقدّمهم في العمر. لأن الدفعات الشهرية وقيمة التأمين تتحددان بحسب العمر، وكلما زاد عمر المقترض، ارتفعت الدفعات. أما الفوائد، فحتى لو تم خفضها، فالمقترض لن يشعر بها لأنه يسدد أصل القرض حالياً، وبعد 15 عاماً سيسدد قيمة الفائدة التي يدفعها عنه اليوم مصرف لبنان”.

يخلص لحود إلى أن المشكلة مازالت مقبولة حتى الآن، والأزمة الأكبر ستحملها الأيام المقبلة. تمتلك المصارف اليوم تَرَفَ الاختيار والتحكم بمصير أموال الناس وبيوتها المرهونة، لكن اشتداد الأزمة سيُفقِدها ما تنعم به، ليس بقوة القانون، وإنما بضغط الشارع. فالقانون في صفّ المصارف، وهذا مجال بحثٍ آخر يحمل علامات استفهام حول تواطؤ السلطة مع المصارف. لكن بعد ازدياد حالات التوقف عن الدفع، ولجوء المصارف إلى التدابير القضائية، سيفرض الشارع معادلة جديدة ومجهولة.

المدن