//Put this in the section

سايكس بيكو القرن الـ21… وَعَودٌ على بدء – بقلم فوزي سمعان

تمثل الصفقة الاميركية او كما تصلح تسميتها “خارطة طريق” والتي تشبه الى حد كبير اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت المنطقة منذ قرن ونيف، عقد تصفية من طرف واحد دون الاخذ بعين الاعتبار رأي او حتى مشاعر الطرف الآخر والمعني الابرز بها، من خلال فرض نفوذ دولة عظمى بطريقة بيروقراطية خالصة بالاتفاق مع قوى اقليمية لكل طرف منها حساباته ومصالحه الخاصة. فبالاضافة الى الخطوط العريضة التي تم الاعلان عنها تبقى الاركان الاساسية للخطة طي الكتمان والتي تمت بموجبها تصفية “حلم العودة” ودق المسمار الاخير في نعش “القضية” التي لم تعد شأن عربي منذ زمن. وحتى لو سلمنا جدلا انها لا تزال قضية عربية وستبقى مهما طال الدهر كما اعتدنا ان نسمع على المنابر الممانعة، فانها عادت مسألة عربية للبعض لانه حان موعد القطاف و “شم النسيم”. فالاميركي صاغ الخطة بطريقة ترضي الجميع ليس من باب احقاق الحق انما من منطلق “طعمي التم بتستحي العين”؛ بالمفهوم الاميركي وليس الشرقي طبعا! فالاميركي يعرف جيدا من اين تؤكل الكتف، حيث يجتهد هنا وهناك في مساعدة الشعوب والامم الاخرى من جيوب تلك الشعوب الخاصة، فالصفقة قائمة على اموال وثروات عربية والبنود الاساسية لاتمام تلك الصفقة وشرعنتها واضفاء نوع من الميثاقية الاقليمية والدولية عليها، تمت صياغتها بتمويل محلي ورعاية اميركية وغطاء اقليمي ويمكن تلخيصها كالتالي:

١- تتنازل شركة فودافون للاتصالات عن السوق المصرية لشركة STC السعودية التي ستستحوذ بموجب الصفقة على حصة المجموعة البريطانية والتي تبلغ اكثر من ٤٥ بالمئة من السوق المصرية اي ما يعادل حوالي ٨٠ مليون مستخدم مقابل ٢.٤ مليار دولار في صفقة غريبة ومثيرة للشك شكلا ومضمونا وتوقيتاً.




٢- تتوسط الولايات المتحدة بين مصر واثيوبيا لضمان انهاء مفاوضات سد النهضة المتعثرة مع تفضيل المصالح المصرية نظراً لضرورة المرحلة.

٣- تضمن الولايات المتحدة تبرئة ولي العهد السعودي امام المحافل الدولية من تهمة التدبير والايعاز باغتيال الصحفي السعودي جمال الخاشقجي وغيرها من الملفات التي ارتبط اسمه بها.

٤- يحصل الاردن على امتيازات اقتصادية و”وضع عربي افضل” مقابل الموافقة على التخلي عن غور الاردن وهي مساحة لا بأس بها من الضفة الغرببة.

٥- يتم تجاهل تحركات تركيا واستفزازاتها لا بل حتى السماح لها بتوسيع نفوذها جنوب المتوسط عبر بوابة ليبيا لتعويض خسائرها المتواصلة في سوريا بالاضافة الى وعد مبدئي بعدم افساح المجال للاكراد بانشاء دولتهم على الحدود التركية.

٦- غض النظر عن مشروع اسقاط النظام في سوريا والضغط على ايران واثقالها بالعقوبات لافساح المجال لنفوذ شبه مطلق لروسيا على الاراضي السورية وتخفيف عبء “الممانعة” على الحدود الاسرائيلية الشمالية.

٧- اغراق لبنان بالازمات والديون والثورات لاخضاعه بالكامل ومنعه من الالتحاق بركب الدول النفطية، من ثم الزامه بشروط تعجيزية وصولا لتوقيع مراسيم التوطين وما يتبعه من “لم الشمل” لتخفيف عبء الديمغرافيا على المستوطنات.

٨- تعتبر الوعود الاميركية للشعب الفلسطيني بالرخاء والتنمية والازدهار من الامور البديهية كبناء مطار والحق في استعمال الموانئ وتأمين فرص عمل وخلافه حيث يمكن تصنيفها بطبيعة الحال بمثابة الحد الادنى من مستوى العيش لأي شعب او مجموعة قومية في العالم. على اية حال اميركا لن تدفع للمباشرة بتلك الوعود انما تمويل المشاريع المطروحة يقع على كاهل دول الخليج النفطية.

٩- توافق بريطانيا كقوة كبرى ضمنيا على خارطة الطريق مقابل السماح لها بعقد صفقة جانبية مع عملاق الهواتف الصيني “هواوي” التي عملت اميركا جاهدة لمحاولة عزله تماما عن الاسواق العالمية بالاضافة الى منحها امتيازات تجارية وجمركية لتعويض خروجها من السوق الاوروبية.

١٠- فيما يخص اعضاء مجلس التعاون الخليجي، الامارات، البحرين وسلطنة عمان، فكان حضور سفرائهم في واشنطن ومباركتهم خارطة الطريق الجديدة “مجانية” وهي نتيجة التطبيع والعمل الدؤوب للادارات الاميركية المتعاقبة في تسخير الاقتصاد لصالح السياسة الخارجية.

علما انه قد تم تمرير الصفقة في وقت ملائم جدا ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة، فالاوروبيون مهتمون بشؤونهم الداخلية ولديهم ما يكفيهم من ملفات وتحديات شائكة كوقف الهجرة غير الشرعية وتأمين خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي باقل اضرار ممكنة، وليسوا بوارد الانخراط بمعمعة شرق اوسطية غير مضمونة النتائج هم بغنى عنها اصلا؛ والصين بدورها منكبّة على محاربة المرض القاتل الذي ظهر من العدم بقدرة قادر وبتوقيت مشبوه ايضا. اما روسيا المنهمكة بترتيب البيت الداخلي فلا تزال منتشية بمقتل قاسم سليماني الذي كان يشكل شخصيا هو وفيلقه عقبة اساسية امام بسط النفوذ الروسي بالكامل في سوريا، وبتصفيته كانت اميركا قد قدمت هدية مجانية للروس وبدون شروط مسبقة، وبدورها روسيا معتادة على رد الهدايا حتى المجانية منها، وما المشهد الذي رأيناه في “ياد فاشيم” منذ ايام بمناسبة إحياء ذكرى ضحايا المحرقة بحضور الرئيسين الفرنسي والروسي وولي العهد البريطاني ونائب الرئيس الاميركي، وما الوفد العربي الذي تقدمه وزير العدل السعودي السابق والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي محمـد بن عبد الكريم العيسى الى معسكر الإبادة النازي في أوشفيتز/بولندا بمناسبة مرور 75 عام على تحريره، الا مباركة واجماع عربيين ودوليين لـ”سايكس بيكو” القرن، حيث أشادت الخارجية الإسرائيلية بحضور الوفد السعودي واصفة المشاركة بالمهمة والتاريخية وكما قال غانتس منافس نتنياهو انها تعكس التحولات والمتغيرات المهمة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتعبّر عن الفرص الجوهرية والمهمة التي تتوفر أمام إسرائيل. وها هم العرب مرة اخرى على ارضهم وامام جمهورهم تجدهم لا حول لهم ولا قوة وكأنهم اصبحوا مجرد متفرجين ومصفقين لا بل وبعضهم مستمتع بلعبة الامم. ويبقى الطرف الاضعف في لعبة الامم تلك هم العرب انفسهم رغم عددهم وضجيجهم وعلو اصوات منابرهم، وهنا لا يسعنا الا التذكير بموقف جامعة الدول العربية الذي يعكس نوع من التطبيع المبطن، فالجامعة لم تؤيد الخطة لكن لم تستنكرها تماما وان كان متوقعا ان لا تؤيد الآن لكن يبقى عدم التأييد على مضض..