//Put this in the section //Vbout Automation
سمير عطا الله

المحطة – سمير عطاالله – النهار

يوم الجمعة الماضي قرر أهل الإنتفاضة أن تبدأ مسيرة النهار من محطة القطار في اتجاه العاصمة اللبنانية ومعالمها: النجمة، رياض الصلح، الشهداء. حجارة فندق لوغراي. مسجد الأمين (بديلاً من الجامع العمري) أسواق بيروت وواجهاتها. طلعة باب ادريس. القنطاري. الحمرا.

لا شيء في ربوعنا يخلو من الظرف. فقد اختار المتظاهرون الانطلاق من محطة القطار، لأن لا محطة ولا قطار. لا فحم ولا كهرباء. أما وجود محطة القطار الراحل في مدار الكهرباء المتوقفة، فخطآن غير مقصودين، ولذا اقتضت الاشارة. قووا قلبكم، لا خطر ولا من يخطرون: 24/24 بما فيها العطل الرسمية وشمّ النسيم.




وجدتُ فكرة المحطة ظريفة ومنعشة في هذا التلبد القاتم. لكن بالي ظلّ مشغولاً يومها طوال أربع ساعات (A.M. ق.ظ.) لأننا كنّا متواعدين مع صديق عزيزكان قد وعد بالحضور في العاشرة بعد أن يمرّ قليلاً على البنك. لم يسمِّ البنك. وأخيراً اطلّ عند الساعة الأولى (ب. ظ. P.M.) ليطمئننا إلى أنه خرج منتصراً، مزوداً 300 دولار أميركي.

تعلّمنا الدرس: من الآن فصاعداً لا ينشغل لك بال في الحالات التالية:

أ-إذا كانت المسألة متعلّقة بمعاملة في مصرف.

ب- إذا كانت لها علاقة بسير بيروت.

ج- الحالتان المذكورتان أعلاه.

لكن الاشياء في لبنان باسمائها، والحمدالله. المصرف مصرف، ولو كان أيضاً فرعاً للتعذيب النفسي. والمحطة محطة، ولو كان قطارها واقفاً مثل طائرات الاطفاء، وحركة النقل تسمى “سيراً” ولو كان واقفاً، من ق.ظ. إلى ب.ظ.

العام 1973 كان عام بهجة آخر من أعمال عاصي ومنصور: “المحطة”. عمل سوريالي عبقري ظهرت فيه النجوم في قصر البيكاديللي، بدل السماء. فيروز، ومعها الفرقة، ومعها طربوش نصري شمس الدين العالي، ومعها انطوان كرباج شكسبير الإلقاء. ومع الجميع، سبع، تاجر الاغنام العائد “من غاد، من بعيد” بعد غياب “ثلاث تِشهر، بين الموصل والرّقة”.

إيانا أن ننسى إخراج برج فازليان. قصة “المحطة” باختصار (العام 1973 لا 2020) ان ليس هناك من محطة. هناك صاحب حقل بطاطا بسيط وزوجته، تمر بهما ساحرة اسمها وردة. وتحاول وردة أن تقنع الزوجين بأن حقل البطاطا يغطي محطة قطار سوف تظهر بعد أيام، مثل النفط. وفيما كان الحرامي (كرباج) ماراً في طريقه إلى غنيمة جديدة، سمع وردة تحاول تخدير الزوجين بالكذبة فأعجبته الفكرة وقرر الانصراف إلى الاحتيال بدل النشل. وصدّقت الضيعة وصدّق رئيس البلدية والشاويش فكرة القطار وصدّق فيلمون وهبي، الذي كان المسرح يصطكُّ ضحكاً حضوره.

يصل القطار في النهاية صافراً كالريح. نهاية عبقرية لقصة عبقرية لواحدة من “الباروديات” العبقرية التي كان من خلالها عاصي ومنصور يرسمان كاريكاتور الشخصية اللبنانية، التي هي فخر الدين، وهي “شادي” المقاتل، وهي “بيي راح مع العسكر، راح وكتّر” في هذا الوصف السامي لـ”الاستشهاد”. وهي أيضاً الحرامي الذي يجد فرصته في الارتقاء من النشل المباشر الى الاحتيال المقنّع.

كشفت لنا تظاهرة يوم الجمعة النسخة الرديئة من “المحطة”. عملية نصب وإهمال وهدر وسرقة خالية من أي ظرف. ومن السوريالية البهيجة وأداء ايلي شويري وهدى، وفيروز تغني، من غير مرافقة موسيقية، ليالي الشمال الحزينة، فتخشع الناس كما لو أنها تغني “أنا الأم الحزينة” وتبكي معها الناس، كل لأحزانه. سألت صديقاً عربياً يوماً عن أحبّ أغاني فيروز اليه، فقال بسرعة: “أنا الأم الحزينة”. قلت، لكن هذه ترنيمة كنسية. قال، صوت فيروز عبادة.

الفارق بين محطة الرحابنة الساحرة، ومحطة الفسق الجماعي هو الحرامي: واحد يسرق ليطعم أولاده الجائعين، والآخر يسرق ليجوّع أبناء الآخرين. واحد صريح، واضح لا يختبىء خلف أي قناع إلا الليل، وآخر يتنقّل بين ضحايا، متمتعاً بعرض بليد للأقنعة البالية.

أفسدت الانتفاضة الفارق بين السلطة السياسية وأحلام الثورة، عندما اتبعت البشاعات نفسها: العنف والقمع والحقد وازدراء الملك العام والأملاك الخاصة. لقد حرص الجيش على مظهر وطني حضاري، حمايةً لسمعته ودوره ومهمته، فيما خرج من الثورة من أساء إلى سمعتها وإلى دورها. وتراجع كثيرون – وأنا واحد منهم – عن اعتبارها ثورة كالتي رأيناها في البدايات، إلى الخوف من تحوّلها إلى مجموعة فرق فوضوية عبثية، تعشق الصخب السطحي وتلملم من التاريخ عناوين جذابة لا تعرف عنها شيئاً ولا تعرف شيئاً عن فراغها التاريخي، مثل حركة طانيوس شاهين، كأننا في “الكومونات” التي لفظتها الثورة الفرنسية، وظلّت تستهوي الذين لا يعرفون الثقافات إلا من عناوينها، والتاريخ إلا من تسيّبه، مثل الأخ القائد معمّر القذافي الذي رأى حكم الشعب في أن يوزّع الحكم والثروة على أبنائه وعديله ويرمي جميع رفاقه على جانبي الطريق.

النتيجة أربعون عاماً من القذافي، ولا ندري كم عقداً من مسبباته. مأساة العالم العربي بعد نهاية الاستعمار أن لا حكمه حكم ولا ثورته ثورة. يوم اعتبرنا أن ما يحدث عندنا ثورة كان الظاهرون في الصورة رجالاً مثل ملحم خلف أو سيدات أهل ساحة النور. ثم أصبحنا نخاف. ليس فقط على الثورة بل منها أيضاً. وكثرت الاقنعة فيها وكثرت الحرائق. وأين اختفت تلك الجماعات المسالمة بمئات الألاف، وأين أصبح صوت الثورة الهادىء والواضح الذي يترك للأطفال أن يعبّروا عن محنة الناس بالسلطة وممارساتها وعبثها بالدستور ومستقبل الأجيال.

هل تعرف متى تصل البلدان إلى ذروة الكارثة؟ عندما يتحوّل الوطن إلى محطة: مضحكة مثل “محطة” الرحابنة، أو كارثية مثل محطة القطار المخلوع الذي يتقاضى أجوره كل يوم وكأنه ينقل الناس إلى أشغالها ويومياتها. بلد برمّته يتحوّل إلى محطة متوقفة: لا كهرباء فيها ولا حركة ولا تنقّل ولا شحن. فقط مكان يحلم الناس فيه بالسفر. يقول الدكتور مروان اسكندر إن ذروة الكارثة أن لبنان لم يعد يعني شيئاً للأجيال الجديدة سوى أنه محطة انتظار وسفر. لم يكن هذا هو الحال عندما عاد من أوكسفورد وأواخر الستينات يوم كان لبنان حلماً للعائدين: منارة ومرفأ ومطار وجامعة وبعلبك مع فيروز، أجمل منها مع روما.

“تذاكر. تذاكر” يقول سبع لصاحب المحطة “تذاكر نبغي تذاكر. يسافرون أعمامي وعماتي وخالاتي وبناتن. فنكلوزا وبزيزا وغنماتن السودا والشقرا وسبع تيوس وآني ثلاثا وعشرين. يسافرون”. تذاكر.