//Put this in the section //Vbout Automation

الحراك في الشارع فرض نفسه بقوة… لكن هل ضيّع فرصته؟

ابراهيم بيرم – النهار

قبل أيام قليلة كان لافتاً مبادرة قوى الأمن الداخلي التي تتولى منذ زمن بعيد حراسة خيم الحراك والمساحات التي “يستوطنها” عنوة في وسط العاصمة، الى الانسحاب المفاجىء من أداء هذه المهمة وترك أمن ساحة الاعتصام التي تشمل كل ساحتي الشهداء ورياض الصلح وما بينهما لاحتمالات المجهول والخطر.




وعلى الفور بادرت مجموعات من هذا الحراك إلى استنفار قواها والاستنجاد باحتياطي من خارج الاعتصام بغية تأمين أمن ذاتي ووضع عوائق وحواجز حالت دون إعادة فتح الطريق المار من أمام مسجد محمد الأمين والطريق الموازي له.

وبعيد أقل من 36 ساعة عادت الأمور إلى سابق عهدها وعادت الحراسة الأمنية الرسمية للمعتصمين، لكن اتضح لاحقاً أن الحدث من أوله الى آخره كان مجرد بروفة لاختبار ليبنى على الشيء مقتضاه وهو يتصل بمستقبل الحراك واستطراداً بمستقبل التعاطي الرسمي معه.

إذ ان ثمة معلومات تؤكد أن الحكومة الوليدة قد أقدمت على ما أقدمت عليه لتبعث برسالة مضمرة للحراك فحواها: أن الزمن الأول المتسم بتأمين الحماية لكم يوشك على الانتهاء وأن عليكم تالياً تدبير رؤوسكم والتفكير بخروجكم عاجلاً أم آجلاً من حيث تقيمون عنوة منذ 17 تشرين الماضي.

وفي المقابل، فإن المجموعات الحراكية قد ردت بإبلاغ من يعنيهم الأمر بأنها ليست جاهزة بعد للانسحاب من المشهد السياسي، وأنها أيضاً ليست في وارد الجلاء عن الحيز الجغرافي الضيق الذي “تعسكر” فيه وتمارس فيه سلطة واهية وشكلية ولكنها في نهاية المطاف تظل تعويضاً عن شيء لم تحقق حلمها في الاستحواذ عليه رغم كل ما بذلته.

لكن على رغم بلاغة ما انطوى عليه الحدث السريع أوحى للراصدين بأمرين اثنين:

– ان الحكومة تريد إبلاغ من يعنيهم الامر أنها توشك أن تبدل من طريقة تعاطيها المتسمة بالايجابية مع الحراك منذ انطلاقته الجامحة قبل أكثر من 3 اشهر.

– ان المجموعات المتجذرة في الحراك قد أيقنت أنه بات لزاماً عليها ان تبذل جهوداً استثنائية لتثبت لنفسها وللاخرين أنها عصية على الانتهاء والخروج من الساحات وانها استطراداً مصممة على المضي قدماً في الرحلة التي بدأتها بهدف فرض تغييرات على أداء الطبقة الحاكمة بعدما أوردت البلاد والعباد المهالك.

ولم يعد خافياً في الآونة الاخيرة أن الحراك الشعبي بات يقر بأنه لم يعد هو نفسه لحظة نزل الى الشارع فجأة ليل 17 تشرين وبعدما وجد له الصدى والظل في أقاصي الجمهورية متحدياً أمراً واقعاً طالما استند اليه الحاكمون ليبعدوا عن ذواتهم شبح الخوف من انتفاضة عارمة على حكمهم ظانين أنفسهم بمنأى عن اي عقاب ومحاسبة ومساءلة قد تأتي ذات يوم. وباختصار، وجد كل المقصيين عن مغانم السلطة وكل المهمشين فرصتهم للتعبير بأعلى اصواتهم عن اعتراضهم في الشارع.

والمفارقة أن الحراك استند في اندفاعته إلى معطى غياب قيادة مركزية له تنطلق بلسان حاله او تنطلق للشروع بحوار مع السلطة وأهلها وحماتها محرماً ذلك على نفسه ومعتبراً أن هذا جزء من سر قوته وعاصم له من مهادنة السلطة الموغلة في الفساد لكي لا يجد نفسه ذات يوم وقد انجر الى تسوية معها.

وثمة من يرى أن ذلك النهج المفرط في السلبية والعدمية قد دفع الحراك لاحقاً للوقوع ضحية أمرين:

الأول: البحث الدائم عن سبل وطرق تضمن المحافظة على زخم الحراك وحضوره القوي وتحول دون مراوحته أو التراجع عن تأثيره وفعله.

الثاني: قصوره وعجزه عن الخروج من دائرة مفرغة أسر نفسه فيها، وهي انه عبارة عن ثورة ملونة ترتضي أن تضم بين جنباتها اطياف وتوجهات متعددة ومتباينة الرؤى والمشارب.

في البدايات أخذ الحراك جرعات دعم عندما نسب لنفسه القدرة على تحقيق إنجازات يعتد بها، واولها اضطرار الرئيس سعد الحريري الى تقديم استقالة حكومته وقطع الطريق أمام ثلاثة مرشحين تصدوا لمهمة خلافته وتاليف حكومة بديلة. وعموماً استشعر الحراك أنه بات يوازي السلطة قوة وحضوراً، ولكن عندما وجد هذا الحراك أن ثمة من عبد في ليل الطريق امام حكومة جديدة زانها على وشك الولادة، بادر الحراك من رفع وتيرة مخاشنته للسلطة ورفع من مستوى استخدام العنف والتلويح بالذهاب الى عصيان مدني. وكانت أبرز تجليات هذا التوجه معارك الكر والفر حوالى مجلس النواب وقطع الطرق الرئيسية الى العاصمة والهجمات المتكررة على فروع المصارف.

لكن ذلك قوبل بأمرين، اولهما أن السلطة بدأت تتخلى عن سياسسة كتف اليدين امام الحراك وبدأت تواجهه بشراسة وعنف مشهودين، وثانيهما أن مساحة الارتياب الشعبي من هذا الحراك ووتيرة الانفكاك من حوله قد بدأتا بالاتساع حتى أوشك ان يصير حالة معزولة.

وامام ذلك راح الحراك يعيد قراءة مسار الامور واتجه الى الاتي:

– خفض منسوب العنف والمخاشنة من جهة والكف عن لعبة قطع الطرق الرئيسية.

-بدأ يعلن عدم مسؤوليته عن ممارسات مرذولة ومؤذية للناس وعدم علاقته بمجموعات مشبوهة مقراً بأن الحراك حراكات.

-بدأ يعلو الصوت الداعي الى اعطاء فرصة للحكومة الجدية خصوصاً أنها تلبي شرطاً طالما رفعه الحراك وهو شرط التكنوقراط.

ولعل الرسالة الابرز التي وجهها الحراك أخيراً هي انه ليس في وارد نعي نفسه وتبخيس دوره ورحلة نضاله وأنه لا ريب عائد إلى الشارع والتاثير عندما تقتضي الضرورة.

والأهم من ذلك أن ثمة جزءاً من الحراك أطلق العنان للحديث عن رغبته بالتحول الى إطار سياسي يمتلك شرعية الصعود من معاناة الناس وليس من أي مكان اخر، أي انه في وارد المأسسة والبناء على نبض الشارع.

وإذا كان ثلاثي السلطة القوي، أي “التيار الوطني الحر” وحركة “أمل” و”حزب الله” ومن والاهم، قد طووا في ذواتهم صفحة الحراك وبددوا نهائياً المخاوف المشروعة وغير المشروعة التي اعترتهم من تأثيره سابقاً، فإن الحراك سيظل علامة فارقة ونادرة في المسار النضالي الوطني بغية بناء دولة العدل والمواطنية المنشودة منذ نشوء الكيان.

كما أن ثمة من يزعم بأن الحراك قد ضيّع فرصة ثمينة في بداياته، وبالتحديد لحظة أن امتنع عن تلقف ورقة الإصلاح التي قدمها الرئيس الحريري ولم يحاور السلطة على أساس تطويرها والبناء عليها.