//Put this in the section //Vbout Automation

سيناريوات إعادة هيكلة الدَّين

مطلع الأسبوع المقبل سيكون محتماً على نقاشات السرايا اعطاء الجواب الشافي عن نسبة الاقتطاع التي يجب تنفيذها من أجل خفض نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي وآلية التعامل المطلوبة من صندوق النقد الدولي على رغم نفي جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان النية للقيام باقتطاع من الموجودات.

المطلوب: ضخ سيولة توازي 5 مليارات دولار لإيجاد وفر يعيد الثقة بالاسواق الداخلية (رقم ابتدعه وزير المال) لتمويل استيراد سلع. ولكن ألا يُفتَرَض أن يؤمن مصرف لبنان تغطية هذه الاعتمادات بالدولار، بنسبة 85 في المئة، فيما يوفر المستوردون 15 في المئة؟ إعادة الهيكلة من دون صندوق النقد الدولي ستكبّد المصارف خسائر في رساميلها بقيمة 20 مليار دولار، ما يتطلب تحويلاً إجبارياً لقسم من الودائع (12% – 13%) إلى أسهم في المصارف لتغطية متطلبات الملاءة المالية لتبلغ 15%.




من جهة محاسبية، فان نسبة الاقتطاع التي يجب تنفيذها من أجل خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي هي بحدود 160 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، وهذا سيعطي فترة سماح للمصارف. ويتطلب خفض قيمة الدين إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي، اقتطاعاً من الدين بنسبة تراوح ما بين 35% و43%، وهذا سيعطي فترة سماح للمودعين (النسبة تعتمد على وجهة الاقتطاع من سندات الدين اللبنانية أو سندات الدين بالعملات الأجنبية. فأي المقاربات ستتبعها الحكومة؟).

وعليه يمكن تلخيص الأسئلة الرئيسية للتثبيت المالي بالآتية:

1- كيفية إعادة هيكلة الدين العام وبأي نسبة من الناتج الاجمالي، وكيفية مقاربة إعادة هيكلة الدين باجراءات الاقتطاع من الودائع او من الفوائد او من الاثنتين معا بعدما اضحى ارتفاع القروض المتعثّرة، اضافة الى انعدام ملاءة العديد من المصارف، يزيد الأمور تعقيداً. سيناريوات إعادة هيكلة الدين العام عنوان وحيد لإيجاد التوافق السياسي لأن برنامج صندوق النقد الدولي يصبح ضرورياً في ظل الوضع القائم. ويستبعد لجوء لبنان إلى إعادة هيكلة للدين العام من دون صندوق النقد، وإلا فإن إعادة الهيكلة ستكون فوضوية ومكلفة جداً، فهناك ضرورة لفرض الـ”كابيتال كونترول” بشكل رسمي ولفترة من الزمن.

2- ضرورة اعتماد مقاربة جذرية وشمولية لهيكلة الدين كمدخل لزيادة الفسحة المالية للإقتصاد وتوزيع الخسائر بشكل عادل وجعل الدَّين مستداماً. إن اللجوء الى تصفير الفوائد وإعادة جدولة الإستحقاقات فقط سيبقي الدين مرتفعا ولن يخرج الاقتصاد من فخ المديونية، بل سيزيد الأمر تأزما ويؤجل المشكلة لأنه سيبقي الدين بمستوى 170-180 في المئة من الناتج، وسيلقي بالأعباء على الدولة وصغار المودعين. من هنا، أهمية اعتماد مقاربة شاملة، أولى أولوياتها معالجة الوضعية السلبية بالعملات لمصرف لبنان، وخفض حجم الدين العام عبر اعادة الهيكلة بالتزامن مع عملية خفض العجز وتحقيق فوائض أولية لكي نخفف خطر الإنخفاض غير المنظم لسعر الصرف. من دون ذلك، سيكون اللبنانيون ذوو الدخل المحدود والمتوسط هم اكبر الخاسرين.

3- كيفية تمويل السندات المستحقة في 2020، سيعطي الاشارة الحاسمة للأسواق والمستثمرين. والخيارات لتمويل الاستحقاقات المقبلة هي ثلاثة: إما التخلّف عن السداد والخروج التام من الاسواق المالية العالمية، ومقايضة السندات بأخرى ذات آجال أطول في حال وافق المقرضون، وتحمّل المزيد من الخفض في التصنيف السيادي للبلاد، وهذا في المبدأ ما ترفضه المصارف، واخيرا الاتفاق مع مصرف لبنان على دفع الاستحقاقات مجدّداً، واستنزاف احتياطه. في التفاصيل، يبلغ استحقاق آذار المقبل من سندات الأوروبوندز 1,2 مليار دولار، يحمل 660 مليون دولار منها مقرضون محليون، أي المصارف اللبنانية، و540 مليون دولار يحملها مستثمرون اجانب. وهناك استحقاقات أخرى لسندات الأوروبوندز في نيسان المقبل بقيمة 700 مليون دولار، منها 182 مليونا لمستثمرين اجانب، واستحقاق آخر في حزيران من العام الجاري بقيمة 600 مليون دولار منها 30 مليونا لمستثمرين اجانب.

4- كيفية الخضوع لبرنامج مع صندوق النقد الدولي لأن إعادة هيكلة الدين او الامتناع عن سداد الديون أو فوائدها بشكل غير منظّم، في ظل الظروف الحالية، سيخفّض قيمة استرداد الدين التي سيحصل عليها المستثمر إلى 20 سنتاً مقابل كل دولار. فالسيناريو الأكثر رواجا اليوم هو الخيار بين أمرين: إذا تم شطب كامل الدين العام بالليرة، فإن الاقتطاع من سندات الأوروبوندز سيكون 42.7%، وإذا تم شطب الدين الخارجي بكامله، فإن نسبة الاقتطاع على الدين المحلي ستبلغ 65%. هذا النوع من الترويج لخضوع لبنان لبرنامج مع صندوق النقد الدولي ليس سوى فكرة ممنهجة لإنقاذ المصارف من الخسائر وتعويمها من خلال إجبار الدولة على تحويل الودائع المصرفية بصورة إجبارية في اتجاه إعادة تكوين رساميل هذه المصارف.

ماذا يعني هذا الكلام؟

ان أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي سيتطلب من لبنان خفض التزاماته على الديون. وهي الطريقة الوحيدة القادرة على ضمان إعادة ضبط سياسية واقتصادية كاملة تحتاج اليها البلاد. والجدير بالذكر أن هذا الأمر قد يتخذ شكل إعادة هيكلة أو اقتطاع على حاملي السندات. الدولرة في هذا الاقتصاد الصغير والمفتوح عالية الى حد الهزل ولا يمكن التراجع عن هذه المعدلات بين ليلة وضحاها! اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد (80% نسبة استهلاك الأُسر من الناتج المحلي الإجمالي، و40% من استهلاك الأُسر هو مستورَد). هذا النموذج غير مستدام. وهذه التغييرات تحتاج إلى وقت وليس لدينا ترف الوقت، كون النموذج الاقتصادي اللبناني، الذي يعتمد الى حد كبير على تحويلات العاملين والاستثمارات الأجنبية في المصارف اللبنانية، لم يعد يجلب الثروة للغالبية العظمى من السكان، حيث تتوسع الطبقية الاقتصادية، ويحوز 1% من المودعين أكثر من نصف الودائع في النظام المصرفي الوطني، و10% يحصلون على ما يقرب من 60% من مداخيل الاقتصاد، وهذا امر آخر لا يمكن التراجع عنه بين ليلة وضحاها.

المصارف منكشفة إلى حدّ كبير على مصرف لبنان الذي انخفضت ميزانيته العمومية. كما تُعتبر الأسهم الحالية للمصرف بعيدةً كل البعد عن أن تكون كافية لتغطية تكاليف هذه المشاكل. وتشير التوقعات إلى أن حجم رؤوس الأموال الجديدة التي تشتدّ الحاجة إليها بصورة فورية يراوح ما بين 20 و25 مليار دولار. وعلى المساهمين الحاليين أن يسدّدوا حصتهم من الخسائر، ويجب أن يُطلَب منهم في الوقت نفسه ضخّ أموال جديدة. وهذا قد يقتضي خفض عدد المصارف القائمة. في المقابل، قد يكون المجال متاحاً أمام الاستخدام السديد للقروض الأجنبية وموجودات الدولة من أجل إعادة رسملة القطاع. وبما أن ما سبق لن يكفي على الارجح، تبرز الحاجة الملحة إلى خفض أجزاء من الودائع الكبيرة ومبادلتها بأسهم في المصارف.

حتى الساعة تقول الأوساط المتابعة ان نموذج الفوائد المرتفعة ومراكمة الديون والفوائد وفرض الضرائب ورفع معدلات البطالة ما زالت قائمة، وان الاختلالات ضمن هذا السيناريو ستظل قائمة وهي نتجت من ان مصرف لبنان المركزي أبرم صفقات مع المصارف التجارية المحلية لجذب العملات الأجنبية عن طريق تقديم أسعار فائدة أعلى ومتزايدة على الدين العام، في مقابل ودائع بالعملات الأجنبية. ويعرف معظم اللبنانيين أن الدين يبلغ قرابة مرة ونصف مرة حجم الاقتصاد البالغ 55 مليار دولار. ولكن قلة فقط هم الذين يعرفون أن المصرف مدين للبنوك أيضا بمبلغ يعادل ضعفَي حجم الاقتصاد. فكيف تمكن لبنان من مراكمة كومة ديون بقيمة 180 مليار دولار تساوي 3.5 أضعاف حجم اقتصاده من دون أن يلاحظ أحد ذلك منذ زمن طويل؟

الروابط بين المصارف اللبنانية والمالية العامّة للدولة قدرية نتيجة استحواذ المصارف على نسبة 34.1% من دين الدولة اللبنانية الإجمالي بالليرة اللبنانية، أي ما يوازي 17.9 مليار دولار أميركي. يَتَوزَّع هذا الدَين على مؤَسَّسَاتٍ دوليّة (نحو 12٪ دَين خارجي)، وعلى مؤَسَّسَاتٍ لبنانيّة كالضَمان الاجتِماعي ومؤَسَّسَة ضَمان الودائع وعلى أفراد (9٪)، وعلى المَصارِف اللبنانيّة (38٪)، ومَصرِف لبنان (41٪).

القطاع المصرفي يستثمر نصف موجوداته تقريباً في الديون السيادية اللبنانية، بما في ذلك مصرف لبنان، وربعاً آخر في قروض للقطاع الخاص محفوفة بالمخاطر، وتعاني المصارف فعلياً من عدم الملاءة والشحّ في السيولة. ودائع غير المقيمين تشكل حوالى 77 في المئة من الدين العام الاجمالي وهي لآجال تبلغ اقل من سنة (2018)، وهذا ما يجعل اعادة الجدولة صعبة. أمّا في ما يخصّ الدين بالدولار الأميركي، فتملك المصارف اللبنانية ما يوازي 15.9 مليار دولار من أصل 31 ملياراً، إجمالي سندات الأوروبوندز، الا ان هذه الاستدانة لا يقابلها نمو في الأصول المصرفية. فالحاكم يقول ان الودائع تراجعت في الفصل الرابع من 2019 حوالى 10 مليارات دولار، فيما تفيد الأرقام أن ودائع الزبائن تراجعت (قطاع خاص وقطاع عام) بنسبة 2.99 في المئة لغاية شهر تشرين الاول إلى 173.23 مليار دولار، من 178.56 مليار دولار في نهاية عام 2018.

وجاء التراجع نتيجة انكماش ودائع القطاع الخاص المقيم بنسبة 2.73 في المئة، لتصل إلى 132.83 مليار دولار، توازياً مع تدني ودائع القطاع الخاص غير المقيم بنسبة 5.81 في المئة لتصل إلى 35.53 مليار دولار. وقد قابلتهما زيادة شكلية في ودائع القطاع العام بنسبة 13.71 في المئة، لتبلغ 4.86 مليارات دولار.

في الخلاصة، وفي خضم هذه المعضلة، يبرز كلام جريء لوزير العمل السابق كميل ابو سليمان أبرز المحامين عالمياً في مجالَي الأسواق الناشئة والأسواق المالية العالمية. ابو سليمان يرى ان على الحكومة عدم دفع استحقاقات الأوروبوندز. كلام مهم لأن ابو سليمان اضطلع بدورٍ أساسي في هندسة مجموعة من العمليات المالية في أسواق رأس المال العالمية. وهو المحامي الأساسي لكل إصدارات الأوروبوندز التي تقوم بها الدولة اللبنانية منذ العام 1995. ان اياً من السيناريوات هو كارثي، فالتوقعات تشير إلى أنه ستحصل خلافات بين الحكومة وبين صندوق النقد حول تثبيت سعر صرف الليرة وإمكان خفض قيمتها، وخصوصاً في ظل الاحتجاجات والوضع السياسي الحالي. إذا قرّرت الدولة أن تخفض قيمة الليرة بنسبة 100% من قيمتها الفعلية الحالية (3015 ليرة لكل دولار)، فإن الدين العام سيقفز إلى 176% من الناتج بسبب التأثير السلبي الناتج من الدين بالعملات الأجنبية، لكن التضخم سيمحو الدين المحلي وسترتفع حصّة الدين بالدولار من 40% إلى 60% من مجمل الدين العام، وسيتطلب الأمر أن تكون هناك اقتطاعات من الديون بقيمة 71% على كامل الدين إذا كان الهدف خفض نسبة الدين إلى الناتج لتبلغ 50%، أي المعدلات التي يكون معها مستداماً، لكن خفض نسبة الدين إلى 100% من الناتج يعني أن نسبة الاقتطاع ستبلغ 43%.

الخطوات المطلوبة ستكون غير مسبوقة، لكننا أيضاً نعيش ظروفاً غير مسبوقة. من جانب مصرف لبنان، يمكن سداد مدفوعات الفائدة للمصارف مقابل سيولة بالدولار تحتاج إليها الأسواق. وبطبيعة الحال، لن يكون لأي مما سبق الأثر المنشود في المدى البعيد إذا لم يقترن بانتقال سياسي نحو دولة ذات ادارة رشيدة تفتح الآفاق السياسية. عندها فقط يمكن لبنان إنتاج الحوافز المالية والدعم الدولي والتمويل لإعادة تشييد بناه التحتية المتدهورة والاستفادة من إمكاناته الحقيقية.

المصدر: النهار