//Put this in the section //Vbout Automation
راجح الخوري - النهار

شِدّوا الأحزمة واحزِموا الحقائب! – راجح الخوري – النهار

لو كان اللبنانيون حفنة من المغفلين لكانوا يستحقون كلاماً مفهوماً وله معنى أو مغزى، من أصحاب الشأن المالي والإقتصادي، لكنهم مجموعة من المذعورين الغاضبين والناقمين والصابرين، الذين بعضهم يخسرون وظائفهم ويذهبون الى معاناة الفاقة والعوز، وبعضهم صارت لهم وظيفة جديدة هي الخضوع للذل والبهدلة ومطاردة القرش الأبيض حبيس المصارف، الذي أدّخروه لليوم الأسود وقد صاروا في اليوم الأسود!

ولكن ها هو الكلام المسؤول والواعي جداً، يأتيهم من أصحاب الشأن المالي وجائزة لمن يفهم طبعاً، ذلك ان وزير المال غازي وزني عرض مع وفد من جمعية المصارف برئاسة سليم صفير، الأوضاع المصرفية والنقدية ودور المصارف في تعزيز الإستقرار الاقتصادي، بإعتبار ان الدولة لا علاقة لها بهذا وان وظيفتها كانت دائماً زعزعة هذا الاستقرار، عبر “كورونا الفساد” المتفشي كوباء في الوزارات والإدارات والمصالح وفي التلزيمات والسطو المتوحش على المال العام. وزني شدد على عدم المسّ بالودائع، لكنها ممسوسة اصلاً عبر وحش هو القطاع العام الذي أوجده المسؤولون السياسيون، وجعل الدولة عطيلة مفلسة تعتمد على القطاع الخاص والمصارف، لتغطية ديونها المترتبة من السرقات والإهدار الذي أوصل الدين العام الى ما يقرب من مئة مليار دولار.




بعد الاجتماع قال صفير: “إجتماعنا مع وزير المال إيجابي جداً، تبادلنا معلومات ولم يُتخَذ أي قرار”. يا للإبداع! ما هذه الإيجابية الخالية من أي قرارات والشاطر يفهم، وخصوصاً في ظل قوله ان التدابير التي إتخذتها المصارف موقتة وان الأمور إيجابية، وزيادة في تطمين الناس، قال أنه لم يُتخَذ أي قرار بشأن دمج المصارف لتفادي وقوع إفلاسات، بل تداولنا الأفكار.

الأفكار حول ماذا؟ سد المسيلحة الذي جف كما تجف خزينة الدولة؟ لكنه لم يتردد في طمأنة الناس، فلا ودائع محجوزة فهي موجودة في المصارف وستظل موجودة، لكنها في الحبس الإنفرادي تخضع للتقسيط الحازم، نتيجة الذعر من الإنهيار الناتج من النهب المزمن، الذي تتعرض له أموال الخزينة، وليس فيها اليوم سوى الفئران السارحة.

لا، ليس الحق على المصارف وسليم صفير ولا على وزير المال، الحق على هذا الشعب الخامل، الذي يستمع منذ أعوام الى تصريحات المسؤولين عن إستعادة المال المنهوب، ولم يرَ بعد واحداً من النهابين واللصوص سيق الى القضاء أو أُدخل السجن، أو أٌلقي في مستوعب النفايات، ولا اعتقد انه يمكن ان يرى هذا، لأن معظم الذين تعاقبوا على النهب يتعاقبون على إتخاذ القرارات، ويضحكون على الناس عبر مشاريع بدأت بمن أين لك هذا، وتنتهي بالحكي عن إستعادة المال المنهوب! وهكذا ليس غريباً ان نقرأ ان وزير المال عقد إجتماعاً إيجابياً مع وفد جمعية المصارف ولم يُتخَذ أي قرار، وناموا على حرير فودائعكم تحت الحفظ … ولكن تذكروا لا تنسوا، إياكم ان تنسوا انكم مدعوون الى تحمل قرارات موجعة ومؤلمة من دولتكم العليّة، التي لم تجد سارقاً واحداً للمال العام، لكنها وجدت بقية من القروش في جيوبكم وهي تقول لكم إن عليكم ان تضحوا بها غلاءً وضرائب من اجل الوطن ولبنان يا قطعة سما عل الأرض تاني ما إلا!

صحيح ان روائح الفساد وفصول السرقات تملأ التصريحات والشاشات، وصحيح ان رئيس الحكومة ووزير المال يقولان إننا أمام كارثة اقتصادية، ولكن على الشعب العظيم ان يقبل بقرارات قاسية وموجعة للخروج من الأزمة، التي من الصعب فعلاً الخروج منها، لهذا أحزموا الحقائب فليس كافياً شد الأحزمة!