انكفاء الغرب فرصة أمام روسيا لتعزيز نفوذها في لبنان

تقول أوساط سياسية لبنانية إن انكفاء الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة عن دعم لبنان، يشكّل فرصة ثمينة لروسيا للاستثمار في هذا البلد، خاصة وأنها تطمح لتعزيز نفوذها في المنطقة، وهي تضع نصب عينها الثروة الطاقية التي يزخر بها لبنان.

وترتبط روسيا بعلاقات جيدة مع القوى السياسية في لبنان بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم، بيد أنها ومنذ اندلاع الحراك الاحتجاجي في الـ9 من أكتوبر أبدت اهتماما متزايدا، وأوحت بعض المواقف التي صدرت عن مسؤوليها ميلا لتحالف 8 آذار الذي يتزعمه حزب الله، والذي يتولى حاليا قيادة دفة البلاد من خلال حكومة حسان دياب والبرلمان التي يمتلك فيه هذا التحالف الأغلبية.




وكشفت تقارير إعلامية مؤخرا عن استعداد موسكو لتقديم قروض مالية ميسرة ووضع وديعة مليارية في المصرف المركزي اللبناني، في رغبة منها على ما يبدو لإنعاش اقتصاد لبنان الذي يمر بأزمة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الأهلية، تعمّقه الاحتجاجات المستمرة الرافضة لحكومة دياب.

ويأتي الحديث عن رغبة روسية في دعم الاقتصاد اللبناني في وقت لا تُبدي فيه واشنطن أو حلفاؤها أيّ حماسة في دعم لبنان، لجهة قناعة بأن الحكومة المشكلة حاليا ليست سوى واجهة لحزب الله وخطه السياسي.

واستبعدت مصادر لبنانية مطلعة ما ذكره رئيس الحكومة حسان دياب عن تلقيه إشارات دولية تعد بدعم لبنان وحكومته للخروج من مأزق البلاد الاقتصادي الراهن. ورأت أن دياب يسعى إلى شراء الوقت للتسويق لقدرة حكومته على تذليل العقبات وإطلاق البرامج الآيلة إلى إنقاذ لبنان من أكثر أزماته خطورة منذ الاستقلال حتى الآن.

وأكدت المصادر أن كافة المعطيات الدبلوماسية لا تدعو للتفاؤل طالما بقي موقف الولايات المتحدة غير ودي مع حكومة دياب. ورأت المصادر أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن العناوين الأساسية لخطة بلاده للسلام في الشرق الأوسط المعروفة باسم “صفقة القرن” يحمل تعقيدات إضافية بالنسبة للبنان قد تزيد من موقف واشنطن السلبي حيال بيروت، خصوصا وأن هذه الخطة تتطلب موقفا من بيروت يتعلق باللاجئين الفلسطينيين على أراضيه كما بمسألة ترسيم الحدود الجنوبية مع إسرائيل.

ويشكك كثيرون في قدرة الحكومة الجديدة بتركيبتها الحالية وبانتماءاتها السياسية على إحداث قطيعة مع السياسات السابقة التي نحت صوب تبنّي أجندة إيران، خاصة في ظل الهيمنة التي يمارسها حزب الله، وأنه بالتالي من المستبعد جداً، في ذروة الحملة التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران وأذرعها والتي تلتقي مع تحوّل في المواقف الأوروبية أن تسهّل إدارة ترامب فرص توجيه دعم دولي إلى لبنان.

وتقول مصادر دبلوماسية في بيروت إن دول الخليج المانحة، لاسيما السعودية والإمارات، لا تمتلك أي معطيات مبشرة عن الحكومة الجديدة على نحو يعد بإمكانية تقديم الدعم العاجل للبنان. وتضيف المصادر أن حكومة دياب تعاني من عزلة عربية حقيقية بحيث لم يقم أي من السفراء العرب في بيروت بلقاء دياب، وهو أمر لافت، ويعبر بشكل مباشر عن موقف شديد السلبية من العهد برئاسة ميشال عون ومما آل إليه العمل الحكومي بعد خروج التيارات السياسية اللبنانية الصديقة للعرب، وخصوصا لدول الخليج، من التشكيل الوزاري الحاكم.

وتؤكد المصادر أن المزاج الخليجي لن يزايد على التوجه الأميركي في شأن التعامل مع حكومة دياب. وتجزم هذه المصادر أن دول الخليج التي لم يلتق سفراؤها في بيروت برئيس الحكومة الجديد ليس لديها خطط لتحديد مواعيد لزيارات كان دياب قد وعد أن يقوم بها.

ولا تزال على ما يبدو حكومة دياب والقوى التي تقف خلفها تأمل في أن تتغير مواقف الدول الغربية والعربية، وقد يكون تسريب مسالة الدعم الروسي محاولة للضغط على تلك الدول، ولكن على المدى المتوسط وفي حال استمر هذا العزوف قد تجد نفسها مضطرة لفتح أبواب لبنان أمام موسكو.

وتعترف مراجع مصرفية في لبنان أن التدابير التي يعد دياب باتخاذها بالتعاون مع المؤسسات المالية والمصارف في البلد، ووفق اقتراحات سيتقدم بها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لن تستطيع إنعاش الآمال بخلاص ما للأزمة الحالية.

وترى أن لبنان بات يعاني من أزمة ثقة بنيوية في نظامه المصرفي كما في قدرته على انتهاج نمط اقتصادي شفاف. وتخلص إلى أن لدى الاقتصاديين شكوكا في قدرة “المعجزة اللبنانية” التي أثمرتها سلوكيات مالية تخترق المعايير الدول في الانتقال إلى منظومة شفافة مكافحة للهدر والفساد.

وقللت المراجع من أهمية ما صدر عن مسؤولين إيرانيين من استعداد لدعم لبنان وحكومته، حيث أن العقوبات الاقتصادية الأميركية أفقدت طهران أي قدرة حقيقية على تقديم هكذا دعم.

وحذرت من ارتماء لبنان بشكل مفرط داخل تحالف إيران وقطر وتركيا لما في ذلك من تداعيات مضرّة مباشرة لصورة البلد في الخارج، معتبرة أن احتمال أن تقدّم قطر عونا ماليا، أو وضع وديعة مالية ضخمة لها في المصرف المركزي لن يغيّر شيئا من واقع حاجة لبنان الكبرى لوصل شرايينه بالاقتصاد العالمي العام الذي يمثّل مؤتمر سيدر ووعوده المالية أبرز واجهاته.