//Put this in the section

رسائل من خارج ”سجن” البرلمان

عبد الوهاب بدرخان – النهار

مثلما اجتهدت منظومة الحكم لتثبت أن في إمكانها أن تصنع حكومة على رغم التنافس والتناحر بين “الحلفاء”، كذلك حمّلت نفسها كثيراً من الارتكابات والتجاوزات لتقرّ موازنة كانت وستبقى موضع جدل والتباس. السيناريوات ذاتها ستتكرّر لدى منح الحكومة الجديدة الثقة. هاجس السرعة والسباق مع الوقت لفرملة عوامل الانهيار المالي والاقتصادي هو ما يحرّك هذه المنظومة. والسعي الى العمل والتعاون وطلب المساعدة العاجلة من الحكومات والمؤسسات الدولية هو ما يهمّها الآن. لم يعد في الداخل ما يُرتجى منه خيراً، أما التوقّعات من الخارج فدونها شروط وشروط.




كان هذان التعجّل والسرعة مطلوبَين بإلحاح منذ غداة انتخابات 2018، لكن نصف عام بدّد في استيلاد حكومة سعد الحريري مطلع 2019 لتأتي ملبّية رغبات “حزب الله و”حزب باسيل”، ثم أُضيع أكثر من نصف عام آخر للتوفيق بين إصلاحات مطلوبة خارجياً ومصالح يدافع عنها الأفرقاء داخلياً. خلال هذين العامين برهنت منظومة الحكم أنها منشغلة فقط بمكاسبها، فلكلّ “قطب سياسي” حصّة خاصّة، مزمنة وثابتة، في الموازنات ولا يقبل بإلغائها أو بتقليصها، ولا يعترف بوجوب التقشّف. كانت القاعدة المتّبعة أن “كلّن” يتستّر على “كلّن” ليبقى النهب سائداً… الى أن هبّت رياح “ثورة 17 تشرين” فكشفت كلّ الأستار والعَورات. تلك كانت رسالتها الأولى الى منظومة الحكم وضربتها الأقوى على رأسها.

تعلّم “حزب الله” من تجربته القذرة في سوريا أن السلميّين هم مصدر الخطر، وكما شارك هناك في قمعهم ثم إرغامهم على التعسكر لتسويغ قتلهم، راح يقتبس الدروس وينقلها الى حلفائه لتطبيقها في لبنان. ولمّا تعذّرت العسكرة كان لا بدّ من اختراق الثورة لتشويهها عبر أتباع ينوبون عنها بتحويل الغضب إلى شغب، ومن ثمّ لتوظيف الشغب في تبرير العنف السلطوي المفرط وتالياً لتوسيع الشرخ بين المحتجّين والقوى الأمنية. ليس فقط أن الجسم السلمي من الثورة بقي موجوداً ومتمايزاً، بل إن أداء منظومة الحكم زاد انكشافاً في الوجدان اللبناني العام مع ظهور حكومة “حزب الله – فلول نظام الأسد”. لم تعد “ثورة 17 تشرين” تتمثل بالشارع، بل أصبحت الفكرة السائدة و”التيار” الأكبر في البلد. وهذه رسالتها الأعمق.

ومن دروس التجربة القذرة في سوريا استفاد “الحزب” مبدأ تجاهل الشعب، فالأولى عنده صمود “نظامه” اللبناني حتى لو صار مثل النظام السوري مجرّد ديكور أجوف. لذلك تصرّفت أطراف منظومة الحكم كما لو أن الثورة فورة عابرة، لكنها باتت موقنة الآن بأنها صارت حالاً راسخة، بدليل الحاجة الى تسوير البرلمان ومقار الحكم وحتى منازل السياسيين، كذلك الحاجة الى الحكم خلسةً وبـ “التهريب” لأن المهم إرضاء الخارج واستجابة مطالبه علّه ينقذهم، وكأن الخارج مختبئ معهم وراء الجدران الإسمنت فلا يرى ولا يسمع. تلك الجدران اعتراف للثورة بأن رسائلها هي الأكثر نفاذاً.