//Put this in the section
سمير عطا الله

”دي مرات أبويا” – سمير عطاالله – النهار


مرّت سبعون عاماً على غياب جورج أورويل، البريطاني الذي وضع للعالم “1984” و”مزرعة الحيوان”، ورسم صورة “الأخ الأكبر” الذي كان في الماضي مخبراً صغيراً وأصبح مثل شاشة أورويل، يحيط بالبشر في كلّ مكان يذهبون إليه.

لجأ أورويل إلى الرمز، مثل كليلة ودمنة، وأقاصيص دو لافونتين الشعرية. لكنه لم يكتفِ بالإيماء إلى مكامن الطبيعة البشرية وضعفها ونزوات الظلم والشر والحقارة فيها، بل صوّر أمراض ونزعات القرن العشرين وانحرافه نحو التوحّش المدعوم بالتقدّم الآلي. وكلّما تطوّرت الآلة، سمّي هذا العالم “عالم أورويل”. وأصبحت الأورويلية صفة معبّرة عن عالم القسوة والفظاظة واللارحمة، فاقد المشاعر. وكان أورويل آنذاك يعيش في عالم تسوده الفاشيّة والنازية وينزلق أيضاً نحو المفهوم الستاليني للحكم، وإلغاء الفرد وإبادة السعادة. لكن لم يتخيّل أورويل العالم الذي وصلنا إليه، على رغم امتلاء مخيّلته بالرّعب من جفاف الروح. وظلّت “1984” و”مزرعة الحيوان” رمزيّات إيحائية، لم تبلغ إطلاقاً ما بلغه “أبطاله” من الجلّادين الذين عرفتهم البشرية. حتى عندما ذهب بنفسه إلى القتال الأهلية الإسبانية للمشاركة في الحرب ضدّ الفاشية وفرانكو، لم يشهد مدى الفظاعات التي سوف يعرفها العالم لاحقاً، وهو يدخل حضارة هيروشيما وسيبيريا وداعش وفيتنام وبول بوت. ما من نظام أو أيديولوجيا أعفى نفسه من الجريمة الجماعية.




كان لنا، في الحرب الأهلية، نصيبنا من ظواهر الشرّ العام والهمجية العمياء. لذلك ترتعد الناس من بروز أيّ علامة من علامات العنف، وتخشى تحوّل الثورة إلى حرب وحطام. وتخطئ الثورة كثيراً إذا اعتقدت أنها معصومة عن الخطأ، لأنها بذلك تتساوى مع أورويلية “الأخ الأكبر”. أيّدها الناس لأنها تعبير عن تمرّد آن أوانه في وجه ممارسة صدئة للإدارة، بدل سياسة وطنية راعية وواعية. لكن لا شيء يمكن أن يتمّ على حساب القانون العام والمعيار الوطني والأخلاقي.

ما وصلنا إليه في كانون، ليس ما أنهضنا وما نهضنا إليه في 17 تشرين. لا في سلوك الأمن ولا في تصرّفات الانتفاضة. وفيما كانت مصر تحتفل بذكرى 26 يناير والثورة على حسني مبارك، تذكّرنا كتاب أسامة غريب الذي صدر يومها: “دي ليست مصر أمّي، دي مْرات أبويا”.

ليس هناك أكثر من صيغة لحكاية سليمان الحكيم عن “أمّ الصبي”. والخطأ في حقّ الصبي واحد، من أيّ جهة أتى. مساء السبت الماضي كان مشهداً مزدوج التوحّش: متظاهر يضع طفلة في وجه خرطوم مياه، و رجل أمن لا يتوقّف عن قصف الطفلة بمياه كانون القارسة. ليس في ذاكرة أحد مثل هذا المشهد: فظاظة التظاهر وفظاظة القمع، على مستوى واحد من البشاعة وعدمية المشاعر. فريقان تماديا في خطأ واحد: لا الثورة قدّمت برنامجها، ولا السلطة قدّمت مُحاورها. ولو تنبّهت السلطة قليلاً، لأدركت أن بين عناوين النقمة عليها، واحداً يمثّل الصراع الطبقي في دولة سلّمت نفسها تماماً للمال على أنواعه، فاسداً أو فاسقاً وشرعياً أو مكتسباً. لكن لا مكان لسواه. لا كلام لغيره. وعندما يكون المال نعمة حديثة وغير مرفق بالتهذيب، لا يعود مجرّد توحّش رأسمالي، بل يتحوّل إلى غطرسة غير مقبولة، لا في الشوارع ولا في البيوت.

يلعب برنامج “صار الوقت” للزميل مارسيل غانم، دوراً سياسياً واجتماعياً ووطنياً مهمّاً. ويختلف ضيوفه مع اختلاف تنوّعه. فقد شاهدنا في الحلقة الماضية، مثلاً، عرضاً راقياً للوعي والمسؤولية وأصول الحكم، مع الدكتورة ريّا الحسن. بدت نجمة حكم ودولة، لا نجمة سياسة. وأهمّ ما في هذه النجومية، كان ألق التواضع والصدق والمعرفة. لا لعب على الكلام ولا رقص على الحقائق.

في الحلقة السابقة، كان أحد ضيوف “صار الوقت” ثريّ قادم من لاس فيغاس، مدينة النيون وأضوائها. كان هذا الرجل يكرّر في دفاعه عن توزيره: “أنا أردت مساعدة لبنان”. كرّرها مرّة وثانية وعاشرة. تخيّلت لبنان يصغي إلى هذا النوع السليط من التمنين والتكبّر، فيتمنّى (لبنان) أن يموت جوعاً قبل أن يسمع هذا القول من هذا الرجل مرّة أخرى. لا بدّ من دورة تدريبية على آداب الكلام وقواعد المجالس للسادة المستعان بهم في هذه الحقبة. الثروة من فيغاس أو من سواها، قد تؤهّل حاملها لحمل حقيبة مشابهة، لكن لا تؤهّل كلّ حقائب العالم وحملتها، لمخاطبة لبنان كمتسوّل. مرّة يحمل إليه النفط وزير ناشئ، ومرّة يمنّنه وزير اقترحه المتصرّف، بأنّ قبوله المساعدة تضحية يجب تأمّلها مليّاً.

يا صاحب المال، هذا بلد يتقاسم اللقمة مع نحو مليونين ونصف مليون ضيف، ووزّع حول العالم نحو 12 مليون رأس مرفوع، لكن لا يخاطبه أحد بمثل هذه اللهجة القيصرية، سواء كانت مقيمة أو مشرّفتنا من فيغاس. هذا هو البلد الذي نبت في اغترابه ألمع عباقرة الفنون والمال والسياسة. ولا ضرورة للائحة الأسماء من جديد. لكن عندما جاء كارلوس سليم إلى هنا كأغنى رجل في العالم، انحنى متواضعاً أمام أرض أبيه ولم يعرض “مساعدة لبنان”. بلدك لم يقف في باب أحد. بلدك وقف في بلاد الآخرين، عاملاً وفارساً وقائداً وعبقرياً وعالماً، وذات زمن صار اسمه جبران خليل جبران في إيليس آيلند على بوابة أميركا. صار اسمه “نبيّ العالم الجديد”. مقزّز هذا الخطاب، سواء كان عن جهل سيّئ أو عن طبع من الطباع التي نرى من أمثالها ما يفوق طاقات التحمّل، فيما اللبنانيون في أسوأ حالة نفسية مرّوا بها ومرّت بهم. كلّ شيء من حولهم يذلّهم. كلّ يوم، يوم إهانة وتهديد بالرزق والطحين والكهرباء والدواء والمستشفى والليرة.

هذا ليس لبنان الذي نعرفه. لا المقيم ولا المنتشر! نحن واحد من اقتصادات قليلة على وجه الأرض، كان مغتربها عنصر الدخل الموازي. عشرات آلاف البشر أرسلوا على مدى السنين المليارات لإعانة أهاليهم، فرضاً واجباً ودَيناً للأرض على أبنائها.

هذا ليس لبنان الذي نعرفه. على وزن هذه ليست مصر التي نعرفها. هذه هي اليد التي تضع الطفل في مواجهة خرطوم المياه واليد تمضي في قصف الطفل بالمياه. وأمام هذه الجدران القائمة بين الناس والسلطة، وبين الثورة والناس، وبين الواجب والإهانة، يطلّ هنا وهناك وجه مشرق. سيدة لها مشاعر الأم وعقل المسؤولية. عندما تبحثون في رئاسة الحكومة المرة المقبلة، تذكّروا ريّا الحسن.