//Put this in the section

كيف نقول «لا» لترامب – محمد كريشان – القدس العربي

«صحيح أنه ليس لدينا صواريخ ولا طائرات ولكن لدينا العزيمة، لقد هددوني بأنني سأدفع الثمن غاليا لكنني لن أكون خائنا.. إن لم نتحد الآن.. فمتى سنتحد؟!!»

هذا ما أوردته القناة التلفزيونية 12 الإسرائيلية على لسان الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال اجتماعه الأخير بقيادات حركة «فتح» وذلك في أعقاب رفضه استقبال مكالمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أراد فيها الحديث معه عن «خطة السلام» التي أعلنها أمس الثلاثاء. ووفق ما ذكره مراسل التلفزيون للشؤون العربية إيهود يعاري، الذي قال إنه حصل على تسريب من أقوال «أبو مازن»، فإن هذه الأقوال تضمنت ألفاظا نابية عن ترامب مستنتجا من كل ذلك «رغبة السلطة الفلسطينية في إشعال الأوضاع في الضفة الغربية خاصة عن طريق الحركة الشبابية الفتحاوية بالتوازي مع عزل ترامب وخطته، وقبل كل هذا منع الدول العربية من مجرد التفكير في المشاركة بالصفقة بأي شكل».




ويضيف المراسل الإسرائيلي أن عباس دعا الحاضرين إلى إخراج الشبان الفلسطينيين في الضفة إلى الشوارع وعدم مغادرتها وأنه أبلغ المصريين أنه سيسمح للناس بالتعبير عن احتجاجهم بالطريقة التي يريدونها، وأنه سوف يعطي أوامر للأجهزة الأمنية بعدم منع الفتية من الوصول إلى نقاط الاحتكاك. وحسب يعاري فإن عباس قال إن «الأيام المقبلة هي حالة طوارئ وإن على حركة حماس أن تقرر ما الذي تريده.. ولا أريد أن يقال إنني بعت الوطن بعد نزولي إلى القبر».

فعلها الرئيس الراحل ياسر عرفات من قبله ودفع فعلا الثمن غاليا حصارا وقصفا لمقره ثم رفعا للغطاء الدولي والعربي الرسمي عنه مما سمح بتسميمه والتخلص منه ولكنه ظل حيا في وجدان الفلسطينيين يذكرونه كل يوم ويستحضرون مواقفه وصموده وكيف أنه قال «لا» مدوية في وجه بيل كلينتون وإدارته في كامب ديفيد الثانية في ديسمبر/ كانون الأول عام 2000 وهو الذي كانت خطته أفضل بكثير من خطة ترامب.

أستحضر هنا مرة أخرى ما قاله لي الرئيس الفلسطيني ذات مرة في جلسة خاصة «يصورونني أكثر مرونة واعتدالا وواقعية من عرفات وهذا غير صحيح بالكامل. لن أرفض شيئا قبله أبو عمار ولن أقبل شيئا أقل مما رفضه أبو عمار». في النهاية، هذه هي ساعة الحقيقة التي لن تسمح للفلسطينيين بقول شيء آخر غير «لا» وليكن ما يكون. وفي المنعطفات التاريخية الحادة تظهر معادن القادة والخطأ ممنوع.. والكل سيسجل في دفاتر التاريخ صفحة ناصعة أو غير ذلك والتاريخ قاس لا يرحم. أمّن ياسر عرفات خروجا مشرفا ولم يتنازل عن الحد الأدنى الذي من الصعب أن يتنازل عنه أي فلسطيني.. وهكذا هو محمود عباس فهو لن يقبل بخروج مغاير، كما أنه ليس أقل عنادا من رفيقه.

لكلمة «نعم» كلفتها ولكلمة «لا» كلفتها كذلك، وقد تكون كلفة الأولى أقسى من الثانية فقبول ما يعرض على الفلسطينيين من فتات مهين للغاية قد يؤدي بهم إلى مهالك أسوأّ لأن ترجمتها العملية لا تعني شيئا سوى أن القضية الفلسطينية قد صفيت بالكامل بقبول ورضى من قيادتهم مما يجعل طعم الانكسار والهزيمة أشد مرارة.

لن يستطيع الفلسطينيون حاليا في ضوء اختلال كل المعادلات المعهودة فعل أي شيء سوى الصمود… ولا شيء غير ذلك. الصمود انتظارا لظروف أفضل لن تأتي أصلا سوى إذا اتحدوا وتركوا كل المناكفات الفارغة جانبا والتي أضرت بهم أيما ضرر بل هي من فتح الباب ليعرض ترمب الفتات الذي عرضه.

هنا يأتي الدور على حركة «حماس» التي عليها الآن الاصطفاف من جديد تحت السقف الوطني الجامع والتخلص من تلك الأوهام والشعارات التي تربطها بمشروع إسلامي أكبر وأعظم مع أنه ليس موجودا إلا في أذهان الحالمين أو المغفلين أو المتلاعبين بمشاعر الناس شديدة الإيمان بالإسلام دينا حنيفا يقوم على التوحيد والعمل الخيّر والقدوة الحسنة. ومثلما هي ساعة الحقيقة المرّة للسلطة الفلسطينية فإنها أيضا ساعة الحقيقة الأمرّ لحركة حماس التي عليها أن تنهي شغفها المبكّر بالحكم وتنظر في إعادة اللحمة بين الضفة والقطاع التي ساهم انقلابها عام 2007 في مزيد تمزيق أوصالهما وإيصال الوضع الفلسطيني إلى ما هو عليه الآن من وهن.

ومثلما على السلطة الفلسطينية أن تراجع حساباتها بخصوص رهن عملية التسوية بيد الأمريكيين دون غيرهم منذ اتفاقية أوسلو عام 1993، واستبعاد أي خيارات أخرى، ودخول المفاوضات منذ ذلك التاريخ في نفق السياسة الأمريكية حصريا، بعيدا عن الأمم المتحدة ومشاركة أطراف دولية أخرى نافذة، فإن على حركة «حماس» أن تضع حدا لأوهامها الخاصة بالتعويل على ما تعتبره «محور مقاومة» وأن تعيد ضبط بوصلتها لتجعلها وطنية صرفة بعيدا عن تصور الحركات الإسلامية المختلفة لقضيتهم وللعالم.

«أيام صعبة» تنتظر الفلسطينيين فعلا ولن يكون بامكانهم التعويل على أحد غير أنفسهم في ظل هذا الترهل العربي العام.. لكن طوق النجاة الحالي لن يكون إلا بالوحدة والصمود في انتظار أيام أفضل.. «لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا».