//Put this in the section

الجمهوريّة السائبة! – الياس الديري – النهار

في “لقاء مُصادفة” ضمّ أصدقاء من جميع الحقول ومن تلك الأيّام، ومن زمن الجمهوريَّة التي فقدت سنَّ النضج في عهد الشيخ بشارة الخوري.

من البديهي أن تكون مصائب الوطن السائب هي موضوع الأسئلة والأجوبة. والضحك والبكاء. فسأل أحدهم: أما زال في الإمكان إنقاذ لبنان، وعودته إلى بعض ما كانه في الزمن الجميل، والذي اغتالته مؤامرة بوسطة عين الرمّانة؟




فردَّ آخر: وماذا بقي منه ليُنقذ؟ كانت الإدارة عامة، فأصبحت عائليَّة. الجمهوريّة لا تزال نائمة، وليس من مصلحة أيّ فريق إيقاظها.

الطلَّة الثالثة كانت للشاعر الذي يُرفق إلقاءه دائماً بانفتاح على الضحك الساخر: ليش العيلة مش مكفّايتكم؟ وحدها جمهوريَّة، وواحد منها ينغل ساعة يشاء وإذا ما عَنَّ على باله أن يكون هو الجمهوريّة ورئيسها في الاستحقاق أو خارجه. ومن دون توقيت، يفعل ما يشاء.

لا تزال الجمهوريَّة سائبة، في نظر ورأي الزملاء والشعراء والمسرحيّين: مساحة من الأرض، من سلسلة جبال، من سلسلة شواطئ، من سلسلة مطاعم، من سلسلة أُغنيات، من سلسلة مُهاجرين، من سلسلة باقين غصباً عنهم، من سلسلة فاسدين، من سلسلة حراميّة، من سلسلة نهّابين. وإذا ما أُفسح لهم في المجال فحتماً تهبط العجائب والغرائب من كل حدبٍ وصوب.

هنا قال كبير الحاضرين، لنقترب من الممكن قليلاً، ونبتعد عن واقع الحال مسافة فرسخ: لبنان مظلوم منذ كانت “إجازة الاستقلال”، ومنذ كانت الإجابة الفرنسيَّة لمطالب وشروط البطريرك الماروني الياس الحويّك، ارتقى لبنان إلى مرتبات إضافيَّة. غير أنّها جميعها تصبُّ في نبع المصالح الشخصيّة، لا في جرن مصلحة الوطن، بل في مصلحة الكبّة النيّة، والسيّارة الفخمة، والعشاء الفاخر تكريماً للفستان الجديد وعقد اللولو. وكي تغار الجارة، ويصل الصيت إلى الحماة وبناتها.

للحال كان أحدهم يُفتِّش تحت الكراسي، وفوق رفوف الخزانة، أو خلف الظهور. لا تندهي، لا تبحثي ما في حدا. لبنان لا يزال منذ ذلك اليوم في حاجة إلى دولة حقيقيّة، دولة لجميع اللبنانيّين وجميع الطوائف. وإلى مؤسَّسات حقيقيَّة على غرار ما حقّقه الرئيس فؤاد شهاب يوم أدخل النظام والقوانين إلى حيث يتساوى الكبار والصغار، كما الأغنياء والفقراء في السرّاء والضرّاء.

ولكن، ماذا تستطيع أن تفعل، حين يريد رئيس الدولة أن تكون العائلة هي الجمهوريّة والدولة. قد يكون ذلك حصل، أو يحصل أحياناً من غير أن يُلاحظ المرجع الكبير، إلّا أنّ التجارب السابقة واللّاحقة قالت إنّه يلحظ، ولكن نادراً ما غيَّرت الملاحظة ممّا كُتِب.

نتيجة التأمُّل والتمعُّن في ما يحصل اليوم، وما حصل سابقاً، وما سيحصل لاحقاً، وبعد ثمانين عاماً من الاستقلال ومئة عام من رسم الخريطة الكبرى التي لم تُعجب البطريرك الحويك كونها تمدّد مساحة لبنان على ثلاثة وثلاثين ألف كيلومتر مربَّع، إنّما شمالاً. فكان أن غضب ورفض، واضطرّ جورج كليمنصو إلى ان يستجيب معه فشطب ثلثي لبنان الخريطة الكبرى، وأهدى إليه ما أراد.

حتّى الساعة، وحتّى الغد، وحتّى بعد زمن، سيبقى هذا اللبنان مُشتهياً أن يكون وطناً مُرتكزاً على شعب واحد، ونظام ودولة واحدة، ودستور واحد، وقوانين موحَّدة…

فالكهرباء يجب أن تظلّ مُقيمة مقام ضرع البقرة، وغيرها وغيراتها الكثير!