//Put this in the section

سعد الحريري المعارض… ومسودة 14 شباط

مجد بو مجاهد – النهار

المرحلة لا تحتمل رتابة الصمت والعضّ على جروح نازفة بدماء شهداء قوى 14 آذار المستحضَرين هذه الأيام أكثر من أي وقت، في معركة مفصلية نحو تحرير لبنان الحلم المستحضَر في ذكرى جديدة عنوانها “ثورة الأرز”. العودة إلى الوضوح والى منبر شبيه بزمن معارضة “البريستول” رغم اختلاف التسميات والمرحلة والعناصر الخطابية، باتت واقعا قدريا كُتب لقوى 14 آذار التي وجدت نفسها عائدة في آلة الزمن إلى تموضع تعرفه جيدا ولم يبقَ أمامها سوى العودة في الذاكرة والعثور على بعضها البعض في الميدان الذي عثرت على نفسها فيه.




هذه المشهدية تدور في فلك شخصيات قيادية بارزة في “تيار المستقبل” وتسيطر على مسودة الخريطة السياسية المرسومة بأيدي أعضاء في المكتب السياسي، على قاعدة ضرورة الاحتكام إلى لمّ المعارضة واستجماع نقاط التلاقي والتقارب في ما بينها.

ولعل تعانق انتفاضة 17 تشرين الأول مع ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط المقبل للمرة الأولى، وتشارُك الحدثين مع توق إلى خلاص لبنان الداخل في نفق اسود منذ لحظة الاغتيال السوداء وما تلاها من زهق دماء رجالات “ثورة الارز” المفتقَدين في لحظة الحاجة الأمسّ إلى تحرير البلاد من كابوس إلحاق بيروت بطهران وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، سيكون لها وقعها الخاص مع حبر الكلمة التي سيلقيها الرئيس سعد الحريري، وهي ستتضمن وفق معلومات لـ”النهار” من أوساط مواكبة للمناسبة، أكثر من بعد:

اولا، سيكون خطاب 14 شباط مفصليا في رسم خريطة طريق المرحلة المقبلة نسبة إلى سياسة “تيار المستقبل” وكيفية ممارسة المعارضة ووضع النقاط على حروف العناوين التي أثيرت، ومنها محاولة تحميل مسؤولية الأوضاع الاقتصادية للسياسات المنتهجة خلال الاعوام الثلاثين الماضية، اذ سيرد الحريري على الحملات التي تستهدفه شخصيا وتطاول “الحريرية الوطنية”.

ثانيا، سيستمع اللبنانيون إلى الرئيس الحريري المعارض والمتحرر من شتى الأعباء التي كبّلته في الحكم، مستعيدا ظروف مرحلة التسوية الرئاسية بايجابيتها وسلبياتها، والكشف أمام جمهوره عن العِبر التي استخلصها على مستوى التسوية.

ثالثا، سيعرض الحريري العراقيل وسيناريوات التعطيل التي يعتبر أنها واجهته في ولايته الحكومية الأخيرة، على قاعدة أن هناك فريقا كان يحمل مشروعا للبلاد وفريقا آخر انتهج سياسة المناكفات ووضع العصي في دواليب المشاريع التي كانت تنفذ.

رابعا، يجري الحريري مراجعة ونقد ذاتيين لاستخلاص العبر وقراءة ما أفرزته الثورة والتعامل مع مرحلة ما بعد 17 تشرين. وتقوم الورشة الداخلية التي يجريها “التيار الازرق” على معطيات وتقارير من كل المناطق عن تأثير الاتتفاضة، وقد شكلت لجان على المستويات السياسية والاجتماعية في انتظار استخلاص النتائج التي على أساسها تُستكمل صياغة خطاب 14 شباط.

خامسا، سيستكمل “تيار المستقبل” في المرحلة المقبلة ورشته الداخلية التي تشمل القرارات التنظيمية على صعيد إعادة تشكيل هيئاته، والتي كان باشرها الحريري بُعيد الانتخابات النيابية الأخيرة في ربيع 2018، وكان من شأنها إعادة أسماء متوهجة في حقبة “ثورة الارز”، مع انتظار نتائج اللجان السياسية والاجتماعية.

في غضون ذلك، يولي مصدر قيادي في “تيار المستقبل” أولوية لإيضاح سيناريو المرحلة الماضية ومصارحة الجمهور بأسباب الإخفاقات ومسوغاتها، وإعطاء صورة جديدة على المستويين التنظيمي والسياسي حول كيفية إنقاذ لبنان من خلال برنامج متكامل لإصلاح الإدارة ومواجهة الفساد والوضع الاقتصادي المتردي، مؤكدا لـ”النهار” ان “هذه العناوين تمثل مهمة الرئيس الحريري وهذا ما يُنتظر منه في الأسابيع المقبلة”.

وينقل المصدر رؤية المكتب السياسي القائمة على الذهاب نحو تفاهم مع القوى السياسية التي اصبحت في صفوف المعارضة حول رؤية سياسية والذهاب إلى تجربة أكثر نجاعة على المستوى السياسي عبر تأسيس جبهة معارضة سياسية مبنية على التفاهمات على مختلف المستويات لمواجهة المرحلة المقبلة، ذلك ان “تيار المستقبل” لا يستطيع بمفرده بناء التأثير الكافي إلا عبر قوى عابرة للحدود الطائفية وهذا ما يطمح الجمهور إليه.

وترى قيادة “المستقبل” على مستوى المكتب السياسي، أنه اذا كان ثمة قدرة على ابرام تفاهمات مع من اغتال قادة 14 آذار، فذلك يعني ان التفاهم مع القوى الحليفة على المستوى الاستراتيجي سيكون سهلا، مع ضرورة ترميم العلاقة وتصليبها على مستوى أبعد من التفاهمات القيادية ليشمل الكتل النيابية والحزبية.

وتعتبر قيادات بارزة في “تيار المستقبل” ان الامور عادت إلى طبيعتها مع “التيار الوطني الحر” على قاعدة الاختلاف والخلاف السياسيين، خصوصا أن التسوية على مستوى القيادة لم تندرج على مستوى الكتل النيابية أو الحزبية أو القاعدة الشعبية. ويؤمن هؤلاء بقاعدة واضحة فحواها أن العلاقة مع “التيار الوطني” لا يمكن أن ترمَّم عبر اتفاق رئاسي فقط.

الى ذلك، يقتنع الحريري بحاجة تياره إلى حركة ثورية على مستوى الثقافة السياسية واختيار القيادات، ذلك أن منطق حصر إدارة شؤون التيار بالاصدقاء ادى الى تدهور حال التيار على المستويين التنظيمي والشعبي.

ويتمثل العامل الاهم في السعي إلى تأمين استقرار المواطن مع التأكيد على ان الحالة الايرانية في لبنان هي من اسباب التدهور الأمني والاقتصادي، وان البلاد أمام واقع واضح وهي تدفع ثمن المواقف السياسية على المستويين الاقتصادي والمالي، ولا يمكن معالجة أي مأزق اقتصادي من دون تأمين الحلول الأمنية والسياسية.

تبقى الأنظار شاخصة نحو حدث 14 شباط. حبر المسودة لا يزال يتشرب من ذاكرة الحريري وذكرياته طوال فترة انتهت باستقالة تحت شعار من وحي الحاضر أبدا في ذكرى مناسبة 14 شباط نفسها: “ما حدا أكبر من بلدو”.