جنرال الظل.. من هو العميد فروزنده، رجل سليماني الذي مهد لسيطرة إيران على العراق بفرق الموت والاغتيالات؟

كان ضباط فيلق القدس الإيراني هُم الذين تعقَّبوا بعض العراقيين الذين كانوا يعملون مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وقتلوهم، وطاردوا أولئك الذين يُعتبَرون مُعادين للنفوذ الإيراني عن طريق مجلسٍ من منفِّذي الاغتيالات، وهرَّبوا جواسيس وأموالاً وأسلحة وأسراراً من وإلى العراق، مستغلين تلك الوسائل في زرع الفوضى في البلاد أثناء الاحتلال الأمريكي.

قاسم سليماني، القائد الراحل لفيلق القدس، كان ولأول مرة يلفت انتباه وسائل الإعلام الغربية بسبب دوره في التحريض على حملة من العمليات السرية ضد الولايات المتحدة في العراق قتل فيها أكثر من 600 جندي أمريكي، بحسب المصادر الأمريكية. ولكن تحت أيقونة فيلق الحرس الثوري الذي أصبح مشهوراً، كان هناك ضباط آخرون يديرون تلك الحرب التي بدأت إكساب سليماني سمعته السيئة، كما يقول موقع The Daily Beast الأمريكي.




العميد فروزنده.. رجل سليماني الأخطر

على مرِّ فترةٍ زمنية في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان أحد هؤلاء الضباط هو العميد أحمد فروزنده، الذي ترقَّى في المناصب حتى أصبح قائداً لفيلق رمضان، الذي يعد جزءاً من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بعدما اكتسب خبرةً في مرحلةٍ مبكرة من مسيرته المهنية داخل فيلق رمضان في إدارة بعض عمليات حرب العصابات أثناء الحرب بين إيران والعراق.

وفي هذا الصدد، قال أفشون أوستوفار الباحث في كلية الدراسات العليا البحرية: «مع أنَّ قاسم سليماني كان مهندس هذه الاستراتيجية الأكبر، فإنَّ مساعديه الأقل شهرةً منه هم الذين كانوا يديرون العمليات ويشرفون عليها. وقد كان فروزنده أحد أبرز ضباط فيلق القدس الناشطين في ميدان المعركة في العراق، لكنَّ اسمه لم يكن معروفاً آنذاك».

وتُقدِّم بعض الوثائق -التي رُفِعَت عنها السرية وحصل عليها موقع The Daily Beast الأمريكي بموجب قانون حرية المعلومات- تفاصيل جديدة عن «حملة عنف» قادها فروزنده في العراق أثناء أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتُظهِر الوثائق كيف أنَّ فروزنده وبعض ضباط الحرس الثوري الآخرين نقلوا أسلحةً وأموالاً وجواسيس إلى العراق، وأشرفوا على اغتيال أمريكيين وعراقيين. وتعرض كذلك تلميحاتٍ إلى أنَّ الرجل الذي ساعد إيران على قتل مئات الأمريكيين أثناء حرب العراق ربما لم يتقاعد بالفعل منذ سنوات كما قال سابقاً، لكنَّه استمر في تبادل المشورة مع رئيسه السابق بعد فترة طويلة من انتهاء الحرب.

البداية من الحرب العراقية الإيرانية

كان الخطوات الأولى لفروزنده داخل عالم العمليات السرية في الحرب الإيرانية العراقية قد قوبلت بنجاحٍ متوسط​، فيما لم تُحدِث جهود حرب العصابات التي دعمها أي تغييرٍ ملحوظ في الصراع. ولكن بحلول الوقت الذي ظهرت فيه الولايات المتحدة على أعتاب إيران، كان فروزنده قد نفَّذ عمليات حرب عصابات وعمليات سرية عبر الحدود الإيرانية العراقية طوال حوالي 20 عاماً مع بعض الشخصيات والمنظمات نفسها.

وفي هذا الصدد، قال دوغ وايز، الضابط السابق بوكالة الاستخبارات المركزية المركزية ورئيس إحدى الفرق الحكومية الأمريكية في بغداد سابقاً، لموقع The Daily Beast متحدثاً عن ضباط فيلق القدس الإيراني: «من الواضح أنهم يتمتعون بشيئين: الأول هو أفضلية التعامل مع العمليات التي تجري بالقرب من أرضهم، والثاني أنَّ هؤلاء الرجال يُجرون عملياتٍ خاصة في المنطقة منذ مرحلة بلوغهم تقريباً، فضلاً عن أنَّهم محاربون قُدامى في الحرب الإيرانية العراقية الوحشية. وهؤلاء الرجال هم أعداء يستحقون الاعتراف بقدراتهم. إذ إنهم يمتلكون خبرةً غير عادية في إدارة العمليات التي يُطلَب منهم تنفيذها».

وفي مؤتمرٍ صحفي في عام 2007، قال الكولونيل دونالد بيكون، رئيس قسم العمليات الخاصة والمعلومات الاستخباراتية في قوات التحالف آنذاك: «الصورة العامة تشير إلى أنَّ فيلق رمضان هو المنظمة التي تُجري عملياتٍ هنا في العراق لاستغلالها في أغراضها، وأنَّ أفرادها هم الأشخاص الذين ينقلون الأسلحة والتمويلات إلى داخل العراق، ويساعدون في ترتيب إرسال متطرفي الميليشيات العراقية إلى إيران لتدريبهم، ثم إعادتهم إلى العراق».

ما هو فيلق رمضان؟

كان فيلق رمضان الوحدة المسؤولة عن إثارة الفوضى في العراق، وقد كان فروزنده قائدها بعض الوقت على الأقل. وقسَّمت الوحدة -التي يعود تاريخها إلى الحرب العراقية الإيرانية- قواتها بين حفنة من القيادات الفرعية على طول الحدود العراقية. وكان فروزنده عمل في قيادة «فجر»، التي يقع مقرها في مدينة الأهواز الإيرانية والتي تولَّت إجراء عملياتٍ في البصرة وجنوب العراق، ثم ترقَّى عبر المناصب حتى أصبح نائب قائد فيلق رمضان.

وبحلول عام 2007، حين بلغ العنف في العراق ذروته، أجرت تقارير الاستخبارات الأمريكية دراسةً للعمليات الإيرانية السرية في العراق في الوقت الذي صرفت فيه الولايات المتحدة انتباهها عن التمرُّد الجهادي وبدأت تُركِّز على العنف الذي تحرِّضه إيران ووكلاؤها.

وتتضمن الوثائق تقارير أوَّلية موصوفةً بأنَّها معلوماتٌ استخباراتية «لم تُقيَّم نهائياً» من مصادر وُصِفَت دوافعها بأنَّها «تستند إلى تجارب جيدة لها مع القوات الأمريكية ورغبتها في تخليص العراق من التأثيرات الأجنبية المدمرة»، لكنها تتماشى إلى حدٍ كبير مع ما قاله المسؤولون الأمريكيون عن فيلق رمضان وأفراده.

وإذا نظرنا إلى الوثائق والتقارير معاً، سنجد أنها تُظهِر حملة واسعة النطاق من «العنف السري» جرت تحت قيادة فروزنده وفيلق رمضان.

ويُركِّز جزءٌ كبير من الوثائق على توضيح تفاصيل العملية المدروسة الدقيقة التي اتبعتها «فرقة الموت الذهبي» -التي تشرف عليها إيران- في استهداف تنفيذ اغتيالاتٍ ضد العراقيين ومعظمهم من السنة، الذين اعتبروهم عقباتٍ أمام مصالحهم، وكيف صدَّقت على تلك الاغتيالات ونفَّذتها.

وذكر التقرير أنَّ الوحدة «تتكون من قادة استخباراتيين إيرانيين يُقدِّمون التوجيه والتمويل إلى العراقيين الذين يُجنَّدون من (جيش المهدي)، وفيلق بدر، وحزب الفضيلة، وأحزاب وميليشيات شيعية عراقية أخرى تُنفِّذ اغتيالاتٍ ضد أعضاء سابقين في حزب البعث، وعراقيين يعملون مع (قوات التحالف)، وعراقيين لا يدعمون النفوذ الإيراني في العراق».

إنشاء وتدريب الميليشيات العراقية

وأشرف ضباطٌ إيرانيون على نقل أعضاء عراقيين في فرق الاغتيال إلى مدينة الأهواز، التي يقع فيها مقر قيادة فجر التابعة لفيلق رمضان، من أجل تدريبهم. وشملت الدورة التي استمرت 10 أيام تعليماتٍ من الضباط الإيرانيين حول «جمع المعلومات لدعم استهداف أفراد قوات التحالف في العراق، وتنفيذ الاغتيالات، واستخدام أنظمة إطلاق النار غير المباشر مثل صواريخ كاتيوشا وقذائف هاون» حسب ما جاء في التقرير. وكذلك درَّبت إيران وكلاءها على استخدام «ما وُصِف بأنه متفجرات متطورة للغاية يمكنها اختراق دروع (قوات التحالف)»، في إشارةٍ واضحة إلى العبوات الناسفة الخارقة الإيرانية الصنع سيئة السمعة، التي قتلت مئات القوات الأمريكية وألحقت بهم إصابات بالغة.

وعندما كان الوقت يحين لتقرير هوية الأشخاص المستهدف قتلهم، كان ضباط فيلق القدس يُجرون عمليةً لاتخاذ قرار حاسم في الأشخاص المستهدفين، وتكليف الحلفاء العراقيين بدورٍ في تنفيذ الاغتيال، وفقاً للوثائق. وتُضيف الوثائق: «يُسمَح للعراقيين الذين يعملون مع الإيرانيين بإعداد قوائم بالعراقيين المستهدف اغتيالهم. ومعظم هؤلاء العراقيين المخوَّلين باتخاذ القرارات بشأن هوية الشخص الذي سيُقتَل على يد فرقة الموت الذهبي أعضاءٌ في الحكومة العراقية وقوات الأمن». وورد في الوثائق أنَّ هناك اجتماعاتٍ لفرقة الاغتيال كانت تُقام في مكتب مُحافِظ البصرة وكان بعض أفراد شرطة البصرة «يحضرونها بصفةٍ روتينية».

وكذلك كان بعض ضباط الاستخبارات الإيرانيين يُحدِّدون قائمة اغتيالٍ خاصة من منظورهم. ثم كانت القائمة تُسلَّم إلى أحد أعضاء فيلق بدر المدعوم من إيران. ويوصف الضابط الإيراني الذي كان يُسلَّم القائمة -والذي غُيِّر اسمه الحقيقي في التقرير- بأنَّه «إيراني فارسي يتقن اللهجة العربية العراقية، ولديه لكنةٌ عراقية جنوبية بسبب السنوات التي قضاها في العراق».

تخطيط وتنفيذ اغتيالات بالجملة

وتروي الوثائق كيف أدار أحد ضباط فيلق القدس، المُكلّف بالعمل تحت إمرة فيلق رمضان بمقر قيادة فجر جنوبي العراق، عميلاً عراقياً كان يُصوِّر مُخبري التحالف لصالح الحرس الثوري. وبعدها يقوم ضابط فيلق القدس الذي لم يكشف عن اسمه «بتمرير الصور إلى العراقيين الذين يُكلّفهم ويُموّلهم لقتل الشخصيات التي تحدّدت من خلال تقارير وصور [العملاء]».

وفي إحدى الحالات، تُشير التقارير إلى تدخّل فروزنده لمساعدة إحدى ميليشياته الحليفة، بعد إلقاء ضباط التحالف القبض عليهم.

ويُزعم أنّ مهدي عبدالمهدي الخالصي أدار ميليشيا «مُنتدى الولاية»، الميليشيا الشيعية الصغيرة والمدعومة من قِبَل إيران، والتي تورّطت في قتل عددٍ من مسؤولي البعث السابقين وهجومٍ على قوات التحالف. وحين ألقى مسؤولو التحالف القبض على الخالصي عام 2005؛ بدأ عددٌ من المسؤولين العراقيين في الضغط على التحالف للإفراج عنه.

وأظهرت برقيةٌ سرية، سرّبها موقع WikiLeaks، أنّ المخبرين قالوا للولايات المتحدة إنّ الخالصي كان يتواصل مع فروزنده حول الهجمات على القوات البريطانية في محافظة ميسان العراقية عبر البرقيات المشفّرة منذ عام 2003. وعقب اعتقاله؛ قالت البرقية إنّ مخبراً «غير موثوق» نقل أنّ فروزنده  «صرّح بإنفاق ما يصل إلى 500 ألف دولار أمريكي على عملياتٍ لتأمين الإفراج عن الخالصي، وأنّ مسؤولين بارزين في الحكومة الانتقالية العراقية تلقّوا مكالماتٍ هاتفية من العميد يطلب منهم فيها المساعدة».

تهريب الأسلحة للميليشيات الشيعية

وإلى جانب عمليات الاغتيال، جاءت الأسلحة والمدربون الإيرانيون. كما أشارت الوثائق التي حصل عليها موقع The Daily Beast الأمريكي إلى أنّ الوحدة أشرفت على «جهاز تهريبٍ مُعقّد من الأهواز في إيران وحتى العراق. ومرّت عبرها الأسلحة، والمعلومات، والدعم المالي، وضباط الاستخبارات الإيرانية». وتنطلق رحلة الأموال والأسلحة والضباط الإيرانيين من الأهواز، قبل تسليمها إلى المُهرّبين على الحدود مع العراق.

ويختبر ضباط الاستخبارات الإيرانية ولاء المُهرّبين، ويُحاولون التأكّد من أنّ لهم «علاقة قائمة سابقة مع حرس الحدود العراقي بفضل علاقتهم القبلية، والتي تنطوي عادةً على رشوةٍ مُرتبّة مسبقاً». وبمجرد عبورهم الحدود، يلتقي المهرّبون الذين يحملون الأموال والأسلحة والضباط الإيرانيين «عادةً بعنصر استقبالٍ يُمثّل الميليشيا الشيعية التي صُمِّمَت حزم دعم العمليات من أجلها».

وفي موانئ جنوبي العراق، كان عملاء فيلق رمضان يُهرّبون الأسلحة عبر حجيرات صغيرة داخل خزانات وقود قوارب الصيد بحسب الوثائق.

وبقدر عنف فترة فروزنده في عصر الاحتلال إبان حرب العراق؛ لكنّه لم يكُن كارهاً للدبلوماسية السرية بالكامل. إذ التقى أحمد الجلبي، عضو جماعة الضغط العراقي المنفي الذي ساعد على دفع إدارة بوش إلى الحرب في العراق، بفروزنده ربيع عام 2004، بحسب مذكرات الجلبي التي نشرها الصحفي وكبير مراسلي موقع The Daily Beast السابق آرام روستون عام 2008. وفي ذلك الوقت، كان الجلبي قد تحوّل من عضو جماعة ضغط مؤيد للحرب إلى عضوٍ في البرلمان العراقي، وبدأ يسعى للتكيّف مع نفوذ إيران الجديد في السياسات العراقية.

وبعد وقتٍ قصير من لقائهما، علمت الولايات المتحدة أنّ الاستخبارات الإيرانية أدركت فجأةً أنّ الجواسيس الأمريكيين كانوا يقرأون برقياتهم بعد أن كسروا رموز تشفيرها. وبعد بضعة أشهر، قال مسؤولو الاستخبارات الأمريكية لصحيفة The New York Times إنّهم يعتقدون أنّ الجلبي دخل إلى السفارة الإيرانية في بغداد وكشف العملية لرئيس فرع الاستخبارات الإيرانية في السفارة. وأنكر الجلبي أيّ تورّطٍ في التسريب، لكنّ الواقعة دفعت بإدارة بوش لإنهاء علاقتها معه.

فروزنده ورحلة الصعود إلى القمة

عمل والد فروزنده لصالح شركة عبادان النفطية، وحين ترك الشركة؛ انتقلت عائلته المكوّنة من 13 ابناً وابنة إلى خرمشهر (المحمرة) على الجانب الآخر من الحدود أمام مدينة البصرة العراقية. وكان ابنه أحمد من أوائل مؤيّدي الثورة الإسلامية الإيرانية، وهو الموقف الذي أدّى إلى سجنه خلال فترة الجامعة -على أيدي الشرطة السرية للشاه الحاكم-، ولكنّه استفاد في النهاية من المكافآت الثورية التي أتت بفضل موقفه إثر الإطاحة بحكومة الشاه.

وفي الأيام المُبكّرة للثورة الإسلامية، عمل فروزنده مع الحرس الثوري من أجل التعرّف -والقبض- على المعارضين العرب الذين يُعارضون الحكومة الجديدة في خرمشهر. وساعدت معرفته بالمنطقة، والتزامه المُثبت تجاه النظام، وخلفيته في العمل السري على جعله مناسباً بالفطرة للعمل الاستخباراتي حين بدأت حرب إيران مع العراق.

وأوضح أمير توماج، الباحث الإيراني الذي كتب كثيراً عن فيلق القدس: «عقب الغزو العراقي، كان فروزنده رئيس الاستخبارات في وحدة خرمشهر، والتي أدّت لاحقاً دوراً محورياً في استعادة المدينة من البعثيين عام 1982».

وقال توماج: «تُشير سيرته الذاتية إلى أنّه بدأ تطوير علاقةٍ مع حسن باقري إبان سقوط خرمشهر، وكان يُرسل له التقارير». وقُتِل باقري، مؤسس جهاز استخبارات الجمهورية الإسلامية، خلال الحرب لكنه صار لاحقاً واحداً من أشهر «شهداء» إيران. ويُعتبر شقيقه محمد باقري الآن أعلى ضابط عسكري رتبةً في إيران، وهذا النوع من العلاقات هو ما مهّد الطريق أمام صعود فروزنده إلى أعلى رتب الحرس الثوري.

وفي وقتٍ لاحق من الحرب، ترك فروزنده منصبه في كتيبة بدر الـ22 بخرمشهر، وانضم إلى فيلق رمضان. وكانت الوحدة الجديدة مُشكّلةً للتعامل مع الجماعات المُعارِضة في العراق، وتنفيذ عمليات حرب العصابات وراء خطوط العدو، وذلك بالتزامن مع استمرار الأسلوب الثابت لحرب الخنادق التي ميّزت الصراع الإيراني العراقي.

وداخل مقر فجر التابع لفيلق رمضان، حيث عمل فروزنده للمرة الأولى، نفّذت الوحدة عمليات بالتعاون مع الجماعات الشيعية العراقية مثل فيلق بدر، وكان «يُعتقد في الأصل أنّ الميليشيا ملحقةٌ بفيلق رمضان التابع لفيلق القدس بالحرس الثوري»، بحسب برقيةٍ لوزارة الخارجية عام 2005. وأوردت تلك البرقية أيضاً أنّ الفيلق يحصل على دعم الذراع السياسي: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.

وخلال الحرب بين إيران والعراق، كان البث الإذاعي في طهران يُشيد بعمليات «مقر رمضان» الذي تبنّى محاولات اغتيال وزير داخلية صدام -سمير الشيخلي- في بغداد بالتعاون مع «المجاهدين العراقيين»، و»الإعدام الثوري» لمسؤول حزب البعث في حي المنصور ببغداد، وإضرام النيران في واحد من قصور صدام في بغداد.

ولم يفعل مقر فجر التابع لفيلق رمضان وفيلق بدر الكثير لتغيير مسار الحرب. إذ انتهت إلى طريقٍ مسدود دموي عام 1988، بسبب الإرهاق وليس جسارة حرب العصابات. وتكمن أهم علاقات فيلق رمضان حقيقةً في الشمال، مع القوات الكردية من «الاتحاد الوطني الكردستاني». إذ نفّذت الجماعة هجمات في عمق الأراضي الكردية العراقية بدعمٍ من فيلق رمضان، ومنها غارة عام 1986 على البنية التحتية النفطية العراقية في كركوك (والتي خُلّدت لاحقاً في فيلم حركة إيرانية سخيف يُدعى Kirkuk Operation).

ذخيرة إيران التي ضربت بها العراق في مقتل

لكن العلاقات التي شكّلها رمضان مع المسلحين الشيعة العراقيين أثبتت فائدتها للحرس الثوري وإيران خلال السنوات اللاحقة، حين اضطلعت جماعاتٌ مثل بدر، بدورٍ مهم في السياسات والأمن العراقي.

وحين انتهت الحرب، ظلّ فيلق رمضان وفروزنده مهتمين بالشأن العراقي، وخاصةً إبان الانتفاضة الشيعية ضد صدام بنهاية حرب الخليج. إذ قالت إحدى الروايات الإخبارية الإيرانية إنّ فروزنده هو المسؤول عن العمل مع الميليشيات المدعومة من إيران لمساعدة الانتفاضة «من أجل تسريع دعم المجاهدين العراقيين»، لأنّ وحدته بمقر فجر التابع لفيلق رمضان كانت هي الأقرب إلى الثورة في البصرة.

ولا يبدو أنّ الكثير من قدامى مُحاربي فيلق رمضان البارزين قد تقاعدوا. إذ تولّى إيراج مسجدي، أحد قدامى محاربي فيلق القدس في العراق، منصب السفير الإيراني في بغداد عام 2017. في حين تُشير التقارير إلى أنّ عبدالرضا شهلاي، الذي خدم في العراق إلى جانب فروزنده إبان الغزو، هو الآن أعلى ضباط فيلق القدس رتبةً داخل اليمن وهو في الـ63 من عمره، وقد فشلت محاولة استهدافه بغارةٍ عسكرية أمريكية هناك في نفس ليلة قتل سليماني.

وبعد أن أنهت الولايات المتحدة احتلالها للعراق، أعطى فروزنده -ذو الشعر الرمادي الباهت- كل الانطباعات التي تُشير إلى تقاعده واستمتاعه بهوايات كبار السن، رغم فرض الولايات المتحدة عقوبات عليه خلال الحرب. وقال لإحدى المنافذ الإعلامية الإيرانية إنّه تقاعد من فيلق القدس عام 2008، وإنّه يعمل على مشروع تاريخٍ شفهي حول مسقط رأسه. وفي العلن، قضى وقته يتجوّل بين مراسم ذكرى رفاقه الذين سقطوا في المعارك.

ولكن لا يبدو أن فروزنده تقاعد

إذ أشارت وثيقةٌ استخباراتية أخرى رُفِعَت عنها السرية، وحصل عليها موقع The Daily Beast، إلى تلميحاتٍ بأنّ فروزنده لم يتقاعد في النهاية. ويُمثّل التقرير شهادةً على مشاركة مسؤولين إيرانيين بارزين في مشروع متحف «لتوثيق الدروس المستفادة من حرب إيران مع العراق»، ويقترح أنّ فروزنده احتفظ بدورٍ استشاري في عمليات فيلق القدس.

وخلال وصف خلفية المسؤولين الحاضرين في الاجتماع، قال التقرير إنّ فروزنده كان لا يزال منشغلاً بـ «إدارة الجنود والدعم اللوجستي للأنشطة الخارجية الخاصة بفيلق القدس التابع للحرس الثوري». كما أنّ محافظة خراسان الإيرانية «أُضيفت مؤخراً إلى ملف مهامه». وتقع محافظة خراسان على الحدود الشمالية الغربية لأفغانستان، وبحلول عام 2013 كانت إدارة أوباما تزعم منذ سنوات أنّ ضباط فيلق القدس يدعمون طالبان سراً لإضعاف القوات الأمريكية وقوات الناتو في البلاد.

وفي عام 2014، قُتِلَ العميد حميد تقوى على يد الدولة الإسلامية (داعش) في العراق، وهو أحد أقرب أصدقاء فروزنده في فيلق القدس ومن قدامى محاربي فيلق رمضان. ومثّل موته مفاجأةً لأنّ تقوى كان من ضباط الحرس الثوري الأعلى رتبةً، الذين قُتِلوا في العراق منذ الحرب الإيرانية العراقية.

وعلى غرار فروزنده، كان من المفترض بتقوى أن يكون قد تقاعد عن الخدمة العسكرية. ولكن بدلاً من ذلك، كان تقوى في العراق يدعم الميليشيا الشيعية الموالية لإيران: سرايا الخرساني، ويُنظّم عمليات إيران القتالية ضد داعش.

وقال فروزنده خلال اجتماعٍ لمسؤولي مدينة الأهواز بعد وفاة صديقه: «كان العميد تقوى متقاعداً. ولم يعتقد أحدٌ أنّه سيذهب إلى العراق ويُؤدي دوراً في تعبئة وتنظيم وحدات ميليشيا الحشد الشعبي العراقية».

وانهار فروزنده إثر مقتل تقوى، وبكى وهو يتذكّر حياة رفيقه أثناء الحديث إلى المراسلين. وخلال إحدى المقابلات، أشارة فروزنده إلى أنّه كان يتواصل مع تقوى عبر الهاتف قبل وفاته بفترةٍ وجيزة، ويُقدّم له النصح حيال عمله في دعم الميليشيات الموالية لإيران بعد سيطرة داعش على الموصل.

وقال فروزنده دون إيضاح: «لقد جاء إلى مكان تمركزنا. فأخبرناه بالوضع في العراق، وخصائص الصراع، ومختلف الجماعات العراقية، والتحديات القائمة. إذ كانت القوات العراقية تُعاني أوجه قصور تحتاج إلى علاج».

وكان تقوى قلقاً حيال أداء الميليشيات المدعومة من إيران في جرف الصخر، وهي البلدة العراقية التي سيطر عليها داعش، ثم جرت استعادتها خلال عمليةٍ وحشية نسّقها فيلق القدس.

وتذكّر فروزنده قائلاً: «كان يُؤمن بأنّ تلك القوات ستُعاني خسائر كبرى في حال لم تتلقَّ تدريباً أفضل. وكانت خسائر تلك القوات تأتي عادةً نتيجة نقص التدريب العسكري المُلائم. ولم تكُن تعرف كيفية الحركة، أو ما يجب أن تفعله حين تتعرّض لنيران العدو، أو كيفية توفير الغطاء أثناء الهجوم، أو حتى طريقة التخلّص من الأفخاخ والمواد الكيماوية في المناطق المصابة».

وجاءت آخر اللمحات العلنية حول فروزنده من مصدرٍ غير متوقّع: موقع Facebook. إذ لا يبدو أنّ فروزنده يمتلك صفحةً شخصية هناك، لكنّ معارفه عثروا عليه في صور زيارةٍ للقاء المسؤولين العراقيين بمحافظة ميسان عام 2016. وأظهرت الصور ضابطاً كبير السن في فيلق القدس وُصِفَ بأنّه «مُستشارٌ» للمرشد الأعلى الإيراني. وهي زيارةٍ موقّرة حظي فيها بالاحترام داخل مكانٍ كان مطارداً فيه قبل بضعة عقود، حين كان من رجال العصابات الذين يرتدون أزياءً عسكرية فضفاضة.