//Put this in the section

”ثوّار” موحّدون ومُنقسمون في آن… وباقون في الشارع!

سركيس نعوم – النهار

مُخطئون الذين يقولون أنّ التحرّك الشعبي الاحتجاجي على الحكم والحكومة ومجلس النوّاب والمؤسّسات الماليّة والاقتصاديّة الرسميّة وغير الرسميّة وعلى الطبقة السياسيّة القديمة والجديدة في آن، الذي بدأ في السابع عشر من شهر تشرين الأوّل الماضي، هو ثورة فعليّة تخطّى فيها القائمون به انتماءاتهم الطائفيّة والمذهبيّة والحزبيّة والسياسيّة والعشائريّة والمناطقيّة، إذ تحدّثوا لغة واحدة ورفعوا شعارات واحدة لم تستثنِ أحداً من أبناء النظام وشركائه والمُمسكين به والمُنتفعين منه والمُستغلّين له، وتخلّوا عن أعلامهم الفئويّة واكتفوا فقط برفع العلم اللبناني مُعطينه بذلك أولويّة على الأعلام الأخرى التي كانت دائماً أهمّ منه، لأنّها كانت إشارة حقيقيّة إلى أنّ ولاء رافعيها لما تُمثِّله يحتل المرتبة الأولى في حين أنّ الولاء للوطن يحتلّ المرتبة الثانية. ولم يخدع أحداً في الماضي كما في الحاضر رفع الأعلام اللبنانيّة إلى جانب الأعلام الفئويّة الحزبيّة، لأنّ الممارسة السياسيّة والإيديولوجيّة واليوميّة كانت تؤكّد أنّ الأولويّة للثانية، وأن رفع الأولى كان رمزيّاً إلى حدٍّ كبير ولا يزال كذلك وعند الجميع من دون استثناء. كما أنّهم بقوا في الشارع ولا يزالون فيه حتّى الآن وإن شهدت بعض الأيّام نوعاً من الاسترخاء عندهم أو ربّما من الوهن والإحباط وفتور الهمّة، أثار ارتياح الدولة الفاشلة وفاسديها من كل الفئات. لكن راحة هؤلاء كانت دائماً موقّتة.




ومن الأدلّة على خطأ هؤلاء وضوح الانقسام المذهبي السُنّي – الشيعي داخل الحراك أو الانتفاضة أو الثورة، أوّلاً عند تحرّك جمهور “الثنائيّة الشيعيّة” بقرار من قائدَيْها أو من دون قرار لمواجهة المُنتفضين أو الثوّار في ساحتَي رياض الصلح والشهداء وسط العاصمة باعتداءات ومحاولة تخريب الخيم التي نصبوها ووقف الحوارات داخلها حول الحاضر القاتم والمستقبل وأسلوب العمل لجعله مُشرقاً. وهي تكرّرت أكثر من مرّة، وأبرز نتائجها كان تحاشي هؤلاء مسّ الأقوى داخل الثنائيّة أي “حزب الله” وأمينه العام والامتناع عن التعرّض لسلاحه وبدء الحديث عن “إنجاز” طرد إسرائيل المحتلّة من لبنان، وقبول وإن على مضض لخيم له ومُشاركات. وثانياً عند استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري بقرار منه بعد تردّد طويل مُفضِّلاً الحفاظ على جمهوره السُنّي، الذي ضعف كثيراً استناداً إلى استطلاعات رأي طلب إجرائها في الشمال وبيروت والجنوب والجبل والبقاع، ومُرتدّاً على تسوية رئاسيّة ما كانت مُمكنة من دونه وعلى ربط نزاع وعلاقة جيّدة مع “حزب الله” كان له بعض الفضل في استقرار أمني – مذهبي إذا جاز التعبير وإن في حدّه الأدنى. إذ عاد السُنّة وكان معظمهم مُنضوين في الحراك أو الثورة إلى التحرّك الاحتجاجي بقطع الطرق في مناطقهم ولاحقاً بالنزول إلى العاصمة وبمحاولة اقتحام ساحة النجمة حيث مجلس النوّاب الذي يترأّسه شيعي. ورافق ذلك عنف منهم غير مسبوق وإفراط في استعمال القوّة الرسميّة لمنعهم من تحقيق هدفهم. ولا بُدّ من الإشارة هنا إلى أنّهم كانوا بذلك يردّون على تحرّك عنفي شيعي مباشر مع حلفاء يساريّين في الحمراء ضدّ مصرف لبنان ومصارف أخرى فيه كما في مناطق أخرى.

لكن يُخطئ أيضاً الذين يقولون أنّ الثورة المُنقسمة والعاجزة عن تحقيق أهدافها والمُتصارعة في جانبيها مسيحيّاً – إسلاميّاً وسُنيّاً – شيعيّاً، أو الانتفاضة ستجعل انتصار الحكم الفاسد والمجلس الفاسد والحكومة الفاسدة بغالبيّتهم والإدارات والمؤسّسات الفاسدة المدنيّة وغير المدنيّة والإداريّة والإنمائيّة والاقتصاديّة والمصرفيّة والمتعاونين كلّهم مع القطاعات المدنية المهنيّة (عمّال وأرباب عمل) في الفساد والإفساد، ستجعل انتصاره على الناس والشعب الرافض والمحتجّ بغالبيّته أمراً حتميّاً. فالفقر المُدقع الذي يحلّ بالناس والسرقة الموصوفة لحقوقهم وأموالهم وفرص العمل المُنقرضة أمامهم وفشل الدولة التي بدلاً من أن تحميهم شاركت في إيصالهم إلى الحال المأسويّة الراهنة، فذلك كلّه أصابهم بنوع من الإنفصام. فمن جهة تقسِّمهم بل تشرذمهم الطائفيّة والمذهبيّة ومن جهة أخرى يُبقيهم وضعهم المُزري في الشارع رغم انقسامهم، كما أنّ اصطداماً ما بينهم لأسباب طائفيّة أو مذهبيّة لم يقع. وكل اصطدام حصل قام به خارجون عن “ثورتهم” وحراكهم، فضلاً عن أنّهم وفي عزّ دفاع كلٍّ منهم عن زعاماته “التقسيميّة” لم ينسوا شعاراتهم الوطنيّة الجامعة، مثل “كلِّن يعني كلِّن”، ومثل “الشعب يريد إسقاط النظام”، ومثل نريد انتخابات نيابيّة مُبكّرة وفق قانون جديد. وفي ذلك دليل على أن عمق مصيبتهم جامع لهم وربّما يتفوّق مع الوقت على العامل الطائفيّ – المذهبي المُفرِّق لهم. ويعني ذلك أن خروجهم من الشارع لم يعد سهلاً رغم أن تحوُّلهم ثورة واحدة جديّة من الصعوبة بمكان. وأسباب ذلك كثيرة منها انقسامهم مجموعات عجزت رغم الحوارات الكثيرة بينها عن تأسيس إطار جامع يوحِّد التحرّك ويُوفِّر له فرص نجاح فعليّة. ومنها ثانياً طموحات شخصيّة مُلوّنة بانتماءات طائفيّة ومذهبيّة. ومنها ثالثاً أجندات حزبيّة عند بعضها. ومنها رابعاً دخول مؤسَّسات ظاهرها إنساني قد تكون لها خلفيّات سياسيّة خارجيّة على الخطّ من أجل دفع التحرّك في اتجاه يخدم مصالح من يُموِّلها. ومنها خامساً دخول دول إقليميّة ودوليّة على الخطّ تنفيذاً لسياساتها. ومنها سادساً دخول متموّلين على خط الثورة نيّة بعضهم صافية ونيّات بعضهم الآخر “أجندويّة”. ومنها سادساً دخول أجهزة محليّة وخارجيّة على خطّها أيضاً. ويعني ذلك أيضاً أنّ على الدولة الفاشلة والمُمسكين بها أن يعرفوا أن وضعاً كهذا يُدخل لبنان في فوضى عارمة سياسيّة اجتماعيّة اقتصاديّة وأمنيّة. وهذا خطر كبير وداهم. فهل هي مُتحسّبة له؟ تصرّفاتها وخصوصاً أثناء تأليف الحكومة وقبل استقالة الحكومة التي سبقتها لا تدلُّ على ذلك. وهل يستطيع الرئيس حسّان دياب مع وزرائه الذين لم يقتنع الناس بتكنوقراطيّتهم واستقلاليّتهم أن يُقنع دولة فاشلة بكل مؤسَّساتها لولا أركانها وفشلها ما كان دخل نادي رؤساء الحكومة بتغيير سلوكها؟