بدأها إسماعيل الصفوي وحوَّلها إلى دولة شيعية تسببت الصراعات والفساد في سقوطها.. الدولة الصفوية بإيران

في هذه السلسلة نقدِّم لكم صورةً عامة عن تاريخ إيران، بدايةً من الدولة الأخمينيّة والسلوقيِّين والبارثيِّين وصولاً إلى الدولة الساسانيَّة الكبيرة وسقوطها على يد المسلمين، وحتى الدولة الصفوية الشيعية والقاجاريِّين، وصولاً إلى الخميني والنظام الإيراني الحالي، كما سنعرِّج على أهم الشخصيات في هذا التاريخ الإيراني، مثل قورش الثاني، وابنه قمبيز الثاني، وأبو مسلم الخراساني، وغيرهم.

عند البحث عن دوافع النظام الإيراني لبسط نفوذه بمنطقة الشرق الأوسط ورغبته في استعادة أمجاد الماضي، يغمز المحللون عادةً لاستدعاء النظام الإيراني إرث الدولة الصفوية التي مثَّلت قوةً لا يُستهان بها بين عامي 1501 و1736، والتي ستكون هي موضوع تقريرنا التالي، فكيف نشأت الدولة الصفوية، وصعدت، و أهم رموزها مثل الشاه إسماعيل الصفوي و عباس الصفوي؛ وآثارها كدولة دينية على المنطقة إلى اليوم.




الأسرة الصفوية.. خلفية الأحداث والنشأة

قبل الحديث عن نشأة الدولة الصفوية، تجدر الإشارة إلى الظروف المحيطة بالمنطقة قبل بزوغ اسم الدولة الصفوية؛ ففي إيران والعراق وأجزاء من هضبة الأناضول قامت دولة قوية عُرفت للعالم وقتها باسم الدولة التيمورية «1405-1500م»، نسبة إلى تيمورلنك الذي غزا آسيا الوسطى باعتباره وريثاً للمغول، وهي القوة الماحقة التي غزت الشرق قبل فترة قرنين أو أكثر؛ واستمرت هذه الدولة التيمورية ما يقارب قرناً من الزمان في وسط آسيا.

وبينما كانت شوكة الدولة التيمورية تضعف في وسط صراع وفوضى داخل إيران بين المتنازعين على الحكم من التركمان النازحين في مناطق أذربيجان وشمال العراق وديار بكر والأناضول؛ بزغ نجم إحدى الجماعات، والأسر الكبيرة، تحظى بشعبية وانتشار كبيرين -بالشمال في أردبيل بأذربيجان تحديداً- والتي استغلت هذا الصراع لصالحها. هذه الجماعة كانت أسرة تركية تخصصت في الوعظ والإرشاد، والتصوف، عُرفت بالأسرة الصفوية، وهذه المنطقة كان يسكنها الترك بالإضافة إلى الأكراد والأرمن.

الدولة الصفوية
أصفهان عاصمة الصفويين اليوم

وكان من أبرز الأسماء بين أفراد هذه الأسرة الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي، وهو بحسب المصادر الجد الخامس لإسماعيل الصفوي، الذي يُنسب إليه تأسيس الدولة الصفوية ذات التوجه الديني الشيعي في إيران، والذي تحولت إليه الأسرة الصفوية قبل حتى أن يحكم إسماعيل الصفوي؛ بالأحرى دُمِج التصوف بالتشيع قبل أن ينشره إسماعيل الصفوي لاحقاً بشكل موسع وبطرق جبرية.

الصفوية.. الدولة الدينية الشيعية

أنفق الصفويون بأمر الشاه «الملك» إسماعيل الصفوي الأموال كذلك لتعزيز الدين، مقدمين المِنح إلى الأضرحة المقدسة للرموز الدينية الشيعية والمدارس الدينية الشيعية. والأدهى من كل هذا أنهم استخدموا منح الأراضي والمال لإنشاء طبقة جديدة من الأرستقراطيين الأثرياء المتدينين الذين يدينون بكل شيء للدولة.

ومن الناحية الدينية على وجه التحديد، لم يضطهد الصفويون المسلمين السُّنة فحسب؛ بل اضطهدوا الشيعة ممن يحملون آراء مختلفة، وجميع الديانات الأخرى. دُمرت الأضرحة غير المنتمية إلى المذهب الشيعي، وحُظِرت المجموعات الصوفية السرية.

قللوا كذلك من أهمية الحج، واستبدلوا به الحج إلى الأضرحة الشيعية، وكانت الإمبراطورية الصفوية المبكرة ثيروقراطية «دينية الحكم» بنجاح. فكانت السلطتان الدينية والسياسية متشابكتين تشابكاً تاماً، ومجسَّدتين في شخص الشاه.

وسرعان ما تبنى شعب الإمبراطورية المعتقد الجديد بحماسة، واحتفلوا بالمهرجانات الشيعية بورع شديد، وكان أهمها عاشوراء، عندما كان المسلمون الشيعة يحتفلون بوفاة الحسين بن علي بن أبي طالب. وكان الإمام علي أيضاً يحظى بالتبجيل.

ونظراً إلى أن المذهب الشيعي أصبح آنذاك دين الدولة، مع تكريس مؤسسات تعليمية كبيرة لتدريسه، تطورت فلسفته وعقائده تطوراً كبيراً في ظل الإمبراطورية الصفوية.

إسماعيل الصفوي.. التشيع بالقوة

يُنسب رسمياً تأسيس دولة الصفويين إلى إسماعيل الصفوي ابن سلطان حيدر بن سلطان جنيد بن صدر الدين إبراهيم -وهو أول من نُسب إليه التحول من الصوفية إلى الشيعية- بن سلطان خواجه بن صدر الدين موسى؛ والأخير هو الابن الأول للشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي.

كان أحد أهم القرارات التي اتخذها إسماعيل الصفوي، الذي وصل إلى الحكم في سن 14 أو 15 عاماً، إعلان أن دين الدولة سيكون الإسلام على المذهب الشيعي، الذي كان آنذاك غريباً تماماً على أغلبية الثقافة الإيرانية، وشن الصفويون حملة قوية كي يعتنق السُّنة، الذين كانوا غالبية آنذاك، المذهب الشيعي، تارة بالإقناع وتارة القوة. أما علماء السُّنة، فإما غادروا وإما قُتلوا.

ومن أجل نشر المذهب الشيعي، جلب إسماعيل الصفوي علماء من الدول الشيعية؛ لتشكيل نخبة دينية جديدة. وعيَّن مسؤولاً «الصدر» لتنظيم هذه النخبة والتأكد من أنها تنفذ ما أراده. أصبح الزعماء الدينيون في واقع الأمر أداة تستخدمها الحكومة.

الدولة الصفوية
إسماعيل الصفوي

أما بالنسبة للتوسع العسكري والسياسي للشاه إسماعيل الصفوي، فبعد أن أحكم قبضته على دولته بدأ يتوجه إلى تدعيم الوحدة السياسية لأطراف الدولة، واستعد لإحكام القبضة ذاتها على على كل بلاد فارس.

وكان أول من فكّر إسماعيل الصفوي في مواجهته، قبائل الأوزبك التي كانت تتمركز في المناطق الشمالية الشرقية من فارس وكانت تعتنق المذهب السُّني، بزعامة محمد شيباني الذي نجح في أن يقتطع له إمارة مستقلة على حساب الدولة التيمورية الساقطة، وأن يستولي على عاصمتها «سمرقند» 1507، وسيطر على مقاطعة «هراة» .

وفي عام 1510 استطاع الصفوي أن ينتصر على الشيباني في معركة طاحنة، أحكم بعدها قبضته على مقاطعة «هراة» بالكامل، وبدأ فيها سياسته بالتحول إلى المذهب الشيعي برغم أن أغلبية أهلها من السُّنة.

الصدام مع العثمانيين وهزيمة إسماعيل الصفوي

في البداية كانت العلاقات بين الدولة الصفوية والعثمانيين هادئة، عملاً بسياسة السلطان بايزيد الثاني الذي تولى الحكم بعد السلطان محمد الفاتح، والذي لم يكن يبيّت أية نية لإشعال الصراعات، ولكن خلَفه السلطان سليم الأول في حكم الدولة العثمانية، وعرف أن الصفوي يتسع في دولته ويمارس سياسة نشر المذهب الشيعي بالقوة، فازداد التوتر بين الدولتين.

لكن كان سليم الأول ينظر بتوتر وارتياب إلى تحركات الصفويين التوسعية المعادية للسُّنة، فجمع رجال السلطنة، واستصدر فتوى بقتال الصفويين، وبعث بما ينويه إلى إسماعيل الصفوي إيذاناً بالحرب.

ولكن إسماعيل الصفوي لم يكن متحمساً للحرب ضد السلطنة العثمانية وسلطانها سليم الأول المقاتل من الدرجة الأولى، وحاول أن يتجنب الصراع، فاحتال لاستدراج الجيش العثماني إلى داخل إيران، لكن سليم الأول سارع بلقاء الصفويين في صحراء جالديران بشرقي الأناضول في (أغسطس/آب 1514م)، وهي المعركة التي انتهت بهزيمة إسماعيل الصفوي، الذي فرَّ من أرض المعركة إلى أذربيجان. وفي (سبتمبر/أيلول 1514) كان سليم الأول يدخل مدينة «تبريز» عاصمة الصفويين بجيشه، معلناً انتصاره الكبير.

بعد الهزيمة الكبيرة، ظل إسماعيل الصفوي يحاول أن يلملم شتات نفسه، ودولته، خاصة بعد وفاة السلطان سليم الأول 1520، وحاول أن يعيد كَرَّة الحرب على العثمانيين، لكنه هو الآخر توفي شاباً في منتصف الثلاثينيات من عمره عام 1524.

من أبرز حكام الدولة الصفوية.. الشاه عباس الصفوي

عباس الصفوي (1587-1629)، يطلق عليه أيضاً عباس الأكبر، خامس ملك «شاه» من الأسرة الصفوية، صعد إلى الحكم وهو في سن 30 عاماً، وورث تركة من الولايات الفارسية التي يحتلها الأتراك العثمانيون، منها: العراق ولورستان وخوزستان، وضموها إلى أملاكهم.

وفي الوقت نفسه كان الأوزبك، من بلاد ما وراء النهر، قد استولوا على ولايات: هراة ومشهد ونيسابور، واجتاحوا الولايات الفارسية الشرقية.

فخاض عديداً من المعارك مع العثمانيين عام 1612، ولكن بعد حروب كثيرة نجح في عقد صلح إسطنبول مع الإمبراطورية العثمانية، والذي أنهى إلى حينٍ الحرب الطويلة بين الجانبين.

بعد عدة حروب دامت أعواماً، استطاع الشاه عباس الصفوي أن يستردَّ هراة ويطرد الأوزبك من فارس.

كانت للشاه عباس الصفوي أيضاً علاقات متباينة مع أوروبا آنذاك، فكان قد طلب مساعدة الإسبان في حربه مع العثمانيين، وكانت علاقته مع البرتغاليين كذلك متشابكة، ونُسب إليه صراع محدود مع البرتغال، انتزع على أثره مقاطعة بندر عباس «جمبرون» التي كانت تحت الاحتلال البرتغالي، كما كانت علاقاته التجارية مع الإنجليز مثمرة، وحظيت خلالها بلاد فارس بامتيازات عديدة.

الدولة الصفوية
الشاه عباس الصفوي

كما كان في أثناء حكمه نهضة كبيرة بالعاصمة الجديدة «أصفهان»، التي نقلها عباس الصفوي من موقعها القديم «قزوين»، وتميزت بالعمارة المبهرة والنسق الهندسي المميز.

تمثلت الإنجازات الفنية وازدهار العهد الصفوي خير تمثيل في أصفهان، عاصمة الشاه عباس. ضمت أصفهان حدائق ومكتبات ومساجد أذهلت الأوروبيين، الذين لم يروا شيئاً مثلها في موطنهم. وأطلق عليها الفرس نصف جهان، أي نصف العالم، وهو ما يعني أن رؤيتها كانت تمثل رؤية نصف العالم.

صارت أصفهان واحدةً من أكثر مدن العالم فخامة، وفي أوجها كانت أيضاً واحدة من كبرى المدن من حيث عدد السكان، الذي بلغ مليون نسمة، واحتوت على 163 مسجداً، و48 حوزة علمية، و1801 متجر، و263 حماماً عاماً.

الدولة الصفوية.. تميُّز الفن والثقافة

في عهد الحكم الصفوي المتأخر، صار شرقي فارس مركزاً ثقافياً كبيراً. وخلال ذلك العهد وصل الرسم الفني والأشغال المعدنية والمنسوجات والسجاد إلى آفاق جديدة من الكمال. فمن أجل أن يصل الفن إلى هذا المستوى من النجاح كان يجب أن تأتي الرعاية من الرؤوس العليا.

ولم يكن هذا كله من أجل حُب الجمال، فقد خُصص جزء كبير من الفن المبكر للاحتفاء بأمجاد المملكة الإيرانية السابقة؛ ومن ثم فإنها تستهدف ضمنياً إضفاء الشرعية على الصفويين، بوصفهم ورثة المملكة الحاليين.

كان الصفويون أنفسهم في الغالب متذوقين للفن؛ إذ كان الشاه إسماعيل شاعراً، وكان الشاه طهماسب رساماً، وخلقت رعايتهم، التي شملت فتح ورش عمل ملكية للفنانين، مناخاً ملائماً لتطوير الفن.

انكماش الدولة الصفوية.. من ضعف إلى فساد

تعززت أركان الإمبراطورية الصفوية في السنوات الأولى، من خلال غزو أراضٍ جديدة، ثم بالحاجة إلى الدفاع عنها أمام الإمبراطورية العثمانية المجاورة. ولكن في القرن السابع عشر انخفض التهديد العثماني للصفويين، وكانت النتيجة الأولى لهذا أن القوات العسكرية أصبحت أضعف.

مع التزام عدوهم الكبير الصمت أصبح شاهات الصفويين غير مبالين، ثم فاسدين ومنحرفين. انتقلت السلطة إلى مجلس علماء الشيعة، الذي أطاح الشاه في نهاية المطاف وأعلن أول جمهورية إسلامية بالعالم في القرن الثامن عشر. طوَّر العلماء نظريةً، مفادها أن المجتهد فقط -وهو المتعمق في الشريعة الذي عاش حياة بريئة- هو من يمكنه تولي مقاليد الحكم.

أصفهان اليوم

وفي عام 1726، قضت سلالة أفغانية على السلالة الحاكمة. وبعد غزو البلاد اتفق الشاهات الأفغان الجدد والعلماء الشيعة على تقسيم السلطة. سيطر الشاهات الأفغان على الدولة والسياسة الخارجية، وفرضوا الضرائب، ووضعوا قوانين علمانية، في حين احتفظ العلماء بالسيطرة على الممارسة الدينية، وفرضوا الشريعة على الأمور الشخصية والعائلية، وظلت مشاكل هذا التقسيم للسلطة الروحية والسياسية أمراً لا تزال إيران تتعامل معه حتى اليوم.

إيران بعد الإمبراطورية الصفوية

على الرغم من هذا، كانت الإمبراطورية تتفكك خلال هذا الوقت، وعلى مدار القرنين التاليين عاشت في اضمحلال، إذ نهبها زعماء العصابات والأمراء الإقطاعيون كيفما يحلو لهم، وهو ما أضعف الإمبراطورية، فتعطَّش الناس إلى الحكم المركزي القوي والاستقرار.

شهد نهوض الدولة البهلوية «1925-1979» استعادة تأكيد وجود سلطة مركزية قوية في إيران، وظهور مبدأ الأسرة الحاكمة من جديد، إضافة إلى أن اكتشاف النفط في وقت مبكر من القرن العشرين، واهتمام البريطانيين به ثم الأمريكيين من بعدهم، كان هو المحدد لأسلوب ودور الشاه محمد رضا بهلوي. وقد مكَّنته الثروة التي جناها من النفط من أن يرأس بلاطاً ثرياً وفاسداً.

استمر العلماء في تحمُّل الشاهات غير المتدينين حتى سبعينيات القرن الماضي، لكنهم في النهاية أطاحوا النظام الملكي في عام 1979. وأدى ذلك إلى جعل السلطة في عهدة كبار العلماء، وهم آيات الله. إذ إن تحدي آية الله الخميني للسلطة الملكية للشاه أثبت تقليداً دينياً عميقاً متجذراً في المجتمع والتاريخ الإيرانيَّين.