حكومة دياب.. رفض شعبي ومقاطعة سياسية واتهام “بالتبعية”

لم يهدأ الشارع اللبناني المنتفض منذ شهور، رغم إعلان حسان دياب حكومته الجديدة، الثلاثاء، بعد مخاض عسير ورفض ومقاطعة شعبية وسياسية كبيرة ما زالت مستمرة لشكل وتشكيلة وشخوص الحكومة المعلنة.

وعلى عكس موقف أنصار وتيار “حزب الله” وحلفائه، رفض كل من تيار المستقبل، بزعامة الحريري، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب القوات، وحزب الكتائب، المشاركة في حكومة دياب، ما يرفع من حدة وسخونة الصعوبات والتحديات التي تنتظر التشكيل الجديد.




 

ويتهم مراقبون وسياسيون ونشطاء الحكومة الجديدة بأنها “ذات لون واحد”، في مغزى على تبعيتها لقوى الثامن من آذار بزعامة حزب الله، وتغطية مباشرة من رئيس الجمهورية ميشال عون، وهو ما يرفضه وينفيه رئيس الحكومة الجديد حسان دياب.

 

ترحيب خجول 

 

ولاقى إعلان الحكومة ترحيبا خجولا، حيث اقتصر بعد مضي أكثر من 24 ساعة فقط، على الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والذي أكد أنه سيعمل مع رئيس الوزراء الجديد من أجل دعم الإصلاحات في البلد المثقل بالديون والذي يصارع أزمة اقتصادية.

وقال بيان أصدره المتحدث باسم غوتيريش: “إن الأمم المتحدة ملتزمة بدعم لبنان في تعزيز سيادته واستقراره واستقلاله السياسي”.

وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ،الأربعاء، خلال تواجده في القدس المحتلة أن فرنسا ستفعل “كل شيء” لمساعدة لبنان على الخروج من “الأزمة العميقة” التي تعصف به.

وأضاف ماكرون متحدثا إلى جانب نظيره الإسرائيلي رؤوفين ريفلين “سنقوم بكل شيء لمساعدة أصدقائنا اللبنانيين في الأزمة العميقة التي يمرون بها”.

 

وترأس الرئيس اللبناني ميشال عون، الأربعاء، أولى جلسات حكومة حسان دياب، في القصر الرئاسي، بعد ساعات على إعلان تشكيلها.

ووصل دياب ووزراء حكومته الـ 19 إلى القصر الرئاسي في بعبدا (ضاحية بيروت الشرقية)، لالتقاط الصورة التذكارية قبيل انطلاق أول جلسة مجلس الوزراء، وسط إجراءات أمنية مشدّدة.

وأعلنت مساء الثلاثاء، الحكومة اللبنانية الجديدة بعد ثلاثة أشهر على حركة احتجاجية غير مسبوقة ضد الطبقة السياسية، وتنتظر الحكومة مهمة صعبة تتمثل بإعادة إحياء اقتصاد منهار واسترداد ثقة المتظاهرين الذين عادوا إلى الشارع فور الإعلان عن التشكيلة الجديدة.

وتتألف الحكومة من 20 وزيرا يتولون جميعاً، باستثناء اثنين هما رئيس الحكومة حسان دياب ووزير البيئة دميانوس قطار، حقائب وزارية للمرة الأولى.

وتضم الحكومة الجديدة ست نساء. وللمرة الأولى في تاريخ الحكومات اللبنانية، أسندت إلى امرأة هي زينة عكر عدرا حقيبة الدفاع ومنصب نائبة رئيس الحكومة.

وقال رئيس الحكومة الجديد، وهو أستاذ جامعي (61 عاماً) كلف بدعم من حزب الله وحلفائه، للصحافيين الذين تجمعوا في القصر الجمهوري: “أحيي الانتفاضة الثورة التي دفعت نحو هذا المسار فانتصر لبنان”، واصفا حكومته بأنها “حكومة تعبر عن تطلّعات المعتصمين على مساحة الوطن خلال أكثر من ثلاثة أشهر من الغضب”.

وأضاف أن الحكومة الجديدة “ستعمل على تلبية مطالبهم، وهي استقلالية القضاء واستعادة الأموال المنهوبة ومكافحة الثراء غير المشروع ومكافحة البطالة ووضع قانون جديد للانتخابات يكرس اللحمة الوطنية التي أفرزتها الساحات”.

وأكد دياب أن الحكومة تتألف من “تكنوقراط” و”غير حزبيين”، علماً بأن التقارير الإعلامية والتصريحات السياسية منذ بدأت تتسرب الأسماء المشاركة في الحكومة، تؤكد أن الوزراء محسوبون الى حد بعيد على أحزاب سياسية كبرى، لكن رئيس الحكومة الجديد قال إن حكومته تحمل “لون لبنان”.

وبين الوزراء الجدد السفير السابق ناصيف حتي الذي عين وزيرا للخارجية، والخبير الاقتصادي غازي وزني الذي عين وزيرا للمالية.

 

وذكرت تقارير إعلامية أن الأول قريب من رئيس “التيار الوطني الحر” وزير الخارجية السابق جبران باسيل، والثاني من رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

 

احتجاجات ورفض من الشارع 

 
وفور إعلان الحكومة، نزل المئات من المواطنين إلى الشارع، و عمدوا إلى قطع طريق رئيسية في بيروت ومدن جبيل (وسط البلاد) وطرابلس (شمالا) وصيدا (جنوبا)، بالإطارات المشتعلة والعوائق.

وفي وسط العاصمة تجمع مئات المتظاهرين أمام مدخل شارع يؤدي إلى البرلمان الذي أحاطت به تعزيزات من الشرطة.

 

وقالت مراسلة الأناضول إن المحتجين يحاولون إزالة العوائق الحديدية عند أحد مداخل البرلمان، في ظل تواجد لقوات من مكافحة الشغب والجيش.

وقطع محتجون طريق منطقة كورنيش المزرعة، الكولا، فردان، قصقص، غرب بيروت، بإطارات مشتعلة؛ تنديدا بالتشكيلة الحكومية.

وستخلف هذه الحكومة حكومة سعد الحريري، التي استقالت في 29 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تحت ضغط احتجاجات شعبية متواصلة منذ السابع عشر من ذلك الشهر.

وردد المحتجون شعارات منددة بدياب، مشددين على أنه لا يمثلهم ولا يُمثل تطلعاتهم.

ويطالب المحتجون بحكومة من اختصاصيين، مستقلة عن الأحزاب، وقادرة على معالجة الوضعين السياسي والاقتصادي، في بلد يعاني أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990.

وفي مدينة طرابلس شمال لبنان، حطم محتجون واجهات عدد من المصارف؛ احتجاجا على تشكيلة حكومة دياب.

 

وحاول المحتجون انتزاع الأسلاك الشائكة وألقوا حجارة على قوات الأمن التي ردت عليهم بقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وفقاً لمصور في وكالة فرانس برس.

واعتبر المحتجون أن الحكومة لا تتجاوب مع مطالبهم، لأن الأحزاب السياسية التي يرفضونها هي التي قامت بتسمية الوزراء.

وقال شربل قاعي (مهندس، 37 عاما) الذي كان يشارك مع مجموعة من المتظاهرين في تجمع قرب البرلمان في وسط بيروت “نريد لبنان جديداً، لبنان خالياً من كل الفاسدين”.

وأضاف: “إنهم يسخرون من الشعب اللبناني عبر تشكيل مثل هذه الحكومة. نحن ننتظر منذ شهرين، بينما كانوا يتقاسمون الحصص”.

وقالت النائبة بولا يعقوبيان المستقلة والمتعاطفة مع الانتفاضة الشعبية في تغريدة على “تويتر” إن “الوجوه الجديدة هي كرقعة جديدة على ثوب قديم”، مضيفة أن حسان دياب “لم يلتزم بوعده بتأليف حكومة مستقلين”.

ورفضت أحزاب عدة المشاركة في الحكومة، وبالتالي، فقد انحصرت اتصالات دياب خلال العمل على تشكيلة حكومته على فريق واحد يتمثل بالتيار الوطني الحر الذي يتزعمه رئيس الجمهورية ميشال عون ويرأسه صهره جبران باسيل، وحلفاؤه وأبرزهم حزب الله وحركة أمل التي يترأسها رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

ويشهد لبنان منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر حراكا شعبيا غير مسبوق يطالب بإسقاط الطبقة السياسية كاملة ويتهمها بالفساد ويحملها مسؤولة انهيار الوضع الاقتصادي. وأدت الاحتجاجات إلى استقالة الحكومة السابقة بعد ثلاثة أسابيع.

ووقعت الأسبوع الماضي مواجهات غير مسبوقة بين عناصر الأمن ومتظاهرين في العاصمة أسفرت عن إصابة أكثر من 500 شخص بجروح، وتخللتها عمليات تخريب وتحطيم محال تجارية ومصارف.

وقال دياب اليوم: “المشاهد التي رأيناها كانت مؤلمة جداً. المهم الآن أن نحفظ الاستقرار ونساعد القوى الأمنية لحفظ الاستقرار وإطلاق ورشة الإنقاذ”، وسيكون الاستحقاق الأول لحكومة دياب نيل ثقة مجلس النواب.

 

مهمة شاقة 

 
وتنتظر الحكومة الجديدة مهمة شاقة تتمثل في إجراء إصلاحات يطلبها المانحون الدوليون مقابل تقديم مساعدات للبنان تمكنه من استعادة استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية التي فقدت أكثر من ثلث قيمتها في السوق الموازية.

لكن المحللين يعتقدون إن الحكومة المقبلة لا يمكنها فعل الكثير، وقال الأستاذ في العلوم السياسية كريم المفتي لوكالة فرانس برس في وقت سابق اليوم: “المهمة التي تنتظر أي حكومة خلال هذه الفترة الخطيرة مهمة شاقة”.

وأضاف: “بالنظر إلى الطبيعة المتعددة الأبعاد للأزمة، يبدو أنه من الصعب التفكير في حلول قصيرة الأجل للمشكلات المالية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد”.

 

وفور تسلمه حقيبة المال والاقتصاد، بالحكومة اللبنانية الجديدة التي أعلنت الثلاثاء، قال وزير المال اللبناني الجديد غازي وزني، إن الأزمة المالية والنقدية القائمة “لم يشهدها لبنان منذ ولادته”، وإنها تحتاج إلى دعم الداخل والخارج.

وبعد ساعات على تعيينه قال وزني إنه يتعين على الحكومة أيضا اتخاذ قرار “بشأن سداد مبلغ 1.2 مليار دولار يستحق في آذار/ مارس”.

وأضاف في حديث لتلفزيون “الجديد” اللبناني، أن استحقاق اليوروبوند بعد شهرين “ويجب أن تأخذ الحكومة قرارا بشأنها… لأن الحكومة السابقة لم تأخذ موقفا منها ورمت كرة النار هذه” إلى الحكومة الجديدة.

وتعد نسبة الدين مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في لبنان من الأعلى في العالم، وتبلغ حوالى تسعين مليار دولار.