//Put this in the section

اتفاق تاريخي! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

في وسط فترة مليئة بالأحداث المدوية ما بين القضاء على الإرهابي قاسم سليماني وإسقاط إيران للطائرة الأوكرانية وحرائق أستراليا المفجعة وقصص العائلة المالكة البريطانية وإجراءات عزل الرئيس دونالد ترمب، تم التوقيع على المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري بين أميركا والصين، الذي وصفته معظم الدوائر المتابعة لصناعة القرار بأنه اتفاق تاريخي وغير مسبوق.

لقد جاءت الصين راضخة ومسلمة تماماً لشروط الاتفاق، الذي التزمت فيه تنفيذ الطلبات الأميركية كافة. ومع ذلك أعلنت الولايات المتحدة بعد إعلان التوقيع أنها ستبقي على العقوبات المالية والجمركية العالية على المنتجات الصينية، وصولاً إلى التوقيع على المرحلة الثانية من الاتفاق الذي لم تحدد تواريخ موعد التوقيع عليه.




الصين «حسبت» الوضع جيداً، وأدركت كما أدرك غيرها ذات يوم أن أميركا هي اللاعب الأهم والأقوى على الساحة اليوم، تماماً كما أدركت ذلك الأمر اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وغيرها. التضييق الذي حصل على الصين من أميركا بالعقوبات المالية الحادة، أدى إلى نتائج سلبية، فالاقتصاد الصيني يعتمد بشكل أساسي ومكثف على التصدير، والسوق الأميركية هي أكبر أسواقه وأهمها، وما الاقتصاد الصيني في معظمه سوى ورشة عمل رخيصة التكلفة، تعتمد على الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية التي لدى الغير، وتغير قيمة عملتها لتجعل بضائعها الأرخص، وتتبع سياسات عمالة مثيرة للجدل. وإذا تم حساب الناتج القومي للصين على عدد سكانها لتفوق الاقتصاد الياباني والكوري والألماني عليها بسهولة.

ولا تتعلق المخاوف الصينية بالتحديات الاقتصادية فقط، ولكن بمخاوفها السياسية أيضاً، فهناك قناعة عظيمة لدى قادة الصين بأن ملفات «الإيغور» و«هونغ كونغ» و«التيبت» تلقى صدى كبيراً في دوائر الإعلام الغربية بسبب الثقل السياسي والدبلوماسي الأميركي الداعم لذلك، وقد عانت الصين مر التجربة جراء ما حصل في مقاطعة هونغ كونغ، والمشاهد التي كانت تبث بشكل مستمر على شاشات العالم أضرت باقتصاد الجزيرة وسياستها والاستثمار فيها. وهذا كان له انعكاس فوري وعظيم على نتائج الانتخابات الرئاسية في تايوان، التي فازت فيها مرشحة الانفصال ضد مرشح التقارب مع الصين، لأن كابوس هونغ كونغ ويد السلطات الأمنية الصينية المتشددة علقت في أذهان الناخبين وهم يدلون بأصواتهم.

المسافة هائلة بين أميركا والصين، ومن يعتقد عكس ذلك فهو يروج لأمنيات لا علاقة لها بالواقع. الصين بلا مشروع حقوقي ولا منظومة ثقافية. كارثة الحزب الشيوعي والكتاب الأحمر لا يمكن أن تكون نموذجاً يبنى عليه عمق حضاري مع الأمم والشعوب، اللهم إلا تبادل تجاري بحت، وشتان الفارق بين الاثنين.

اتفاق تجاري تاريخي له مغازٍ كثيرة يجب ألا تضيع وسط زحمة الأحداث المتلاحقة.