فورين أفيرز: انتصار الأسد فارغ وفي بلد لم يعد سيده بل تابعا للقوى الخارجية وجماعات المصالح

نشر موقع “فورين أفيرز” مقالا للزميلة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لينا خطيب تحت عنوان “انتصار بشار الأسد الفارغ” وقالت فيه إن النظام السوري لبشار الأسد أصبح في أضعف حالاته.

فقد تحمل النظام تسعة أعوام من النزاع الأهلي، ولم يعد السؤال اليوم متعلقا ببقاء أو رحيل النظام ولكن بقدرته على توطيد دعائم حكمه قبل إنهاء الحرب التي تجتاح البلاد.




ودخل الأسد الحرب على أمل استعادة المناطق التي كانت تحت سيطرته قبل عام 2011 لكن ما حققه من أهداف حتى الآن تبدو متواضعة. وهذا لا يجعل من أولويات الأسد أقل خطورة بل ربما العكس. فحتى يظهر للعالم أنه لا يزال يتحكم ويجب على العالم والحالة هذه تطبيع العلاقة مع نظامه فإنه قد يحاول استعادة كل المناطق التي خسرها. وحتى يحافظ على نظامه فلن يسارع للوفاء باحتياجات شعبه، بل سيبحث عن طرق للنجاة والحفاظ على شبكة الرعاية التي تحولت لشريان حياة له طوال الحرب الأهلية. ولو استطاع تحقيق هذين الهدفين- استعادة المناطق التي خسرها والنجاة فسيكون انتصاره مجرد رقصة حرب فارغة وسيكون على رأس دولة فارغة بمؤسسات ضعيفة يستفيد منها المتربحون المستغلون والخانعة للقوى الخارجية.

وتقول الكاتبة إن الأسد حقق نجاحات في إطار استعادة المناطق. والمنطقة التي لا تزال في صلب الموضوع هي الشمال، ففي شمال غرب البلاد يسيطر الإسلاميون الذين قاوموا تقدم قوات النظام. أما في شمال- شرق البلاد فقد أقام أكراد سوريا منطقة شبه حكم ذاتي وساهموا بهزيمة تنظيم الدولة عام 2018.

وعندما أعلنت الولايات المتحدة في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 عن سحب قواتها توصل الأكراد لاتفاق مع النظام سمح لقواته بالإنتشار في المناطق. ويدير الأكراد المناطق الآن بوجود القوات السورية. ويعمل النظام السوري الآن مع روسيا لاستعادة الشمال بشكل كامل. وتحاول روسيا التفاهم مع تركيا لكي تسحب قواتها من سوريا مع ضمان ابتعاد قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها تركيا جماعة إرهابية عن حدودها.

وكجزء من هذه الجهود يقوم النظام بالتفاوض مع الأكراد بشأن التعاون العسكري والسياسي مع أن الاسد لن يمنح الأكراد الإستقلالية التي تأملوا بالحصول عليها مقابل تعاونهم في قتال تنظيم الدولة. ولو استطاع النظام تأمين المناطق المتنازع عليها فسيكون قادرا على الزعم أنه استعاد السيطرة على سوريا وبالتالي سيبدأ بالعمل على تطبيع العلاقات مع العالم الخارجي.

وترى الكاتبة أن التطبيع يعني منح الأسد ونظامه الشرعية مما يفتح الطريق أمام رفع العقوبات بشكل يؤدي لفتح الباب أمام تدفق الإستثمارات لبدء عمليات إعادة الإعمار.

وربما أعلن الأسد عن انتصاره إلا أنه سيكون لاعبا صغيرا فيه. فمن خلال المتاعب السورية سيبرز روسيا لكي تصبح أهم لاعب خارجي في البلاد أما إيران فستؤكد تأثيرها في منطقة الشرق. وفي ضوء هذا الوضع فلن يكون الأسد شريكا بقدر ما هو وكيل فنجاته تعتمد على دعم هاتين الدولتين الخارجيتين.

وبدأت سوريا بمنح كل من إيران وروسيا مميزات اقتصادية وأمنية، مثل العقود الحكومية في قطاع النفط والسيطرة على القواعد البحرية مقابل الحصول على المساعدة في النزاع. ووسعت روسيا من مصالحها وضغطت لمنح العقود التجارية إلى الشركات الروسية ووضع الموالين لها في المناصب العسكرية البارزة. ولا تتعامل الولايات المتحدة مع سيطرة روسيا على سوريا كتهديد مباشر لمصالحها، ولهذا لا توجد قيود للحد من قدرة روسيا فرض نفسها على نظام الأسد.

فسوريا التي نجت بسبب التدخل الروسي لن يحكمهها الأسد كدولة تتمتع بالسيادة لكن كنظام يعتمد في بقائه على روسيا. وبالتأكيد لم يكن يتوقع الأسد نهاية كهذه للحرب، لكن عليه التعايش معها، ذلك أن سيطرته على البلاد تم تخفيضها للشكل لا الجوهر. فالمناطق التي استعادها النظام في الفترة الأخيرة بمنطقة شمال- شرق البلاد مثل القامشلي لا تزال فعليا تحت سيطرة الميليشيات الكردية. وهي التي تقوم بحراسة نقاط التفتيش لكنها رفعت وبضغط من الروس العلم السوري لكي تعطي انطباعا أن هذه النقاط تحت سيطرة الجيش السوري. ويعمل المجندون الجدد الذين لم يتلقوا تدريبا في الزراعة للوفاء بمتطلبات المعيشة.

ولا تعد القوى الخارجية الطرف الوحيد التي يدين له الأسد بانتصاره، بل هناك قوى داخلية انتعشت أثناء الحرب. فقد اعتمد على قوى من غير الدول ولاعبين مساعدين، من حملة السلاح أو المدنيين من أجل التحايل على العقوبات الدولية في مجال العقود التجارية والمساعدة في الجهود الحربية والقيام بمهام الدولة مثل توفير الخدمات في المناطق التي لا يتوفر فيها للنظام القدرات أو لا يستطيع الوصول إليها. وأثرى اللاعبون أنفسهم من النزاع المستمر وكبرت طموحاتهم وسلطتهم، بطريقة تغيرت فيها الأدوار وأصبح النظام تابعا لهم بدلا من اعتمادهم عليه.

وأصبح المتنفذون السلطات الفعلية التي تقوم بدور مؤسسات الدولة ولكنها تقوم بالإبتزاز. واخترق المتربحون من النظام أجهزة الأمن التابعة للأسد وعلى كل المستويات. وتحولت بعض الميليشيات التي دعمت النظام في النزاع إلى جيوش مستقلة عنه وتمارس طموحاتها الإقتصادية ومصالحها السلطوية. وفي بعض الأحيان تحولت الميليشيات إلى جيش من العصابات تقوم بتخويف المدنيين في المناطق الموالية للنظام. ونتيجة لهذا لم تكن الدولة قادرة على توفير المتطلبات المعيشية لمناطقها أو الأخذ على يد هذه الميليشيات.

ولم تكن قوات النظام في بعض الحالات، مثل مسقط رأس الأسد في القرداحة قادرة على الوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها العصابات المسلحة. ووافقت هذه على تسليم أسلحتها الثقيلة بشرط غض النظام الطرف عن أنشطتها الإقتصادية المشبوهة. والأمر لا يتعلق فقط بالعصابات بل وبأجهزة الأمن والجيش التابعة للنظام التي أصبحت تعاقدية وتلاحق نشاطاتها الخاصة في المناطق العاملة فيها بدلا من مصالح الدولة.

ولا يستطيع النظام إرضاء هذه الجماعات من خزينة الدولة ولا حرمانها لأن بقاءه يعتمد على دعمها. ولهذا السبب يرغب الأسد وبيأس رفع العقوبات وعودة الإعمار ليتخلص من شبكات الرعاية والمتربحين.

ولمنع هذا فيجب أن يشمل أي عقد إعمار توزيعا عادلا للمال وللشعب السوري بدلا من ذهابه لشبكات المتربحين. ويمكن لنظام غير الأسد يعيش مرحلة ما بعد الحرب اجتذاب المواطنين وتلبية احتياجاتهم. إلا أن نظام الأسد فعل العكس من خلال معاقبة المواطنين الذين اعتبرهم غير موالين بما فيه الكفاية. وقام بحرمانهم من الخدمة والأمن والحقوق.

وفي عام 2018 فرض قانون رقم 10 الذي يجرد السكان من أملاكهم إلا في حالة قدموا إثبات الملكية إلى السلطات المحلية وشخصيا.

وفرض القانون في البلدات التي استعادها النظام من المعارضين. وسيجد أي واحد نفسه عرضة للتحقيق والسجن لو حاول تقديم إثبات الملكية بنفسه. ومن خلال إسكات المعارضة واستعادة المناطق يريد الأسد خلق انطباع عودة سوريا إلى وضع ما قبل 2011، لكن نظامه بني على وهم الدولة وما تبقى لديه من سلطة هي في يد أسياد اللعبة.

وبهذه المثابة يجب على الدول الغربية التوقف عن التطبيع مع سوريا لأن الأسد هو الخيار الوحيد الموجود. وعليها فهم سوريا من القاع للقمة بحيث يكون لديها أوراق نفوذ لدعم الشعب السوري والتأكد أن المال المستثمر في البلاد لن يذهب إلى النظام أو شبكات التربح المرتبطة به.

وفي النهاية فالأسد يجلس على عرش مكون من ألف قطعة غير متوازنة.