//Put this in the section

لبنان يا ”قطعة… دولار”! – الياس الديري – النهار

لا حكومة في المدى المنظور، ووفق التصريحات والتقلَّبات السياسيَّة، وفي ضوء التطوُّرات التي تغطَّ ذيولها مجتمعة في الربوع الإيرانيَّة. وفي هذه الظروف اللبنانيّة الضائعة، المائعة، الممنوعة من الصرف في أسواق الزحام بين الليرة المنفِّسة والدولار القاشع حاله، ولا أحد يستطيع أن يُهدِّئه. وليس ما يمنع أن ينشدوا يُغنّوا: لبنان يا “قطعة دولار”… لا قطعة سما.

كل الانهيارات الباهظة التي تقود مفعول سقوط الليرة في جب الاستلشاق، وحيث الدولار جلس على كرسي العرش كالعادة. البلد لا يُعامل من لدن المتحكِّمين وحلفائهم إلّا بالأسلوب الذي تُعامل به الليرة حين يحضر الدولار.




منزلة الحكومة التي قيد التأليف والتشكيل لا تختلف، في الأسواق المالية، عن منزلة الليرة حين يطلُّ الدولار. لقد سبق الفضل وحصلت “المفاجعة” ذاتها حين التقى الدولار مع حكومة المرحوم الرئيس عمر كرامي، وكانت تلك النقزة، فتلك الاستقالة، فهاتيك التطوُّرات المُتأجِّجة التي قادها المرحوم الرئيس رفيق الحريري.

إلّا أن من المُفيد هنا التأكيد للجميع أنّ الذين يُديرون الأزمات، كالعادة، ليسوا مُستعجلين. بل لم يُفكِّروا بعد في حكاية تأليف الحكومة، وهيهات…

على هذا الأساس تجد السياسيّين والصحافيّين، والمعتَّقين كالنبيذ، يهزُّون الرؤوس يأساً. مع الهمهمة البائسة: لبنان الزمن الهنيّ، الغنيّ، الحلو، جامع الدنيا بكل قادتها ومُبدعيها، راح. لقد نجحت المُهمّة. سقط لبنان المزدهر، مُستقطب الأشقّاء والأصدقاء والمُتفوّقين، ومعه لبنان الجامعات، والمستشفيات، والفنادق، والحدائق، والمسارح، والمقاهي، والملاهي، لبنان هذا انتهى. وذاك أيضاً.

منذ مؤامرة بوسطة عين الرمّانة أدرك العقلاء، والضالعون في الرؤية السياسيَّة، أنّ لبنان وُضِعَ على لائحة التصفية. حرب البوسطة استمرّت 15 سنة. الهيمنة السوريَّة طلعت ونزلت ضمن مسافة أربع وعشرين سنة.

خلال هذين الوقتين المصيريّين كانت عوامل إضفاء أي أمل برجوع ذلك اللبنان، أو أيّة مرحلة تصبُّ في كأسه قد ولّت. حتّى بلغ هذا الموعد مع الإنهيار الجارف أهدافه. فلبنان اليوم هو هذا الذي أمامكم. لبنان المفرّغ من نصف أهله وسكّانه، المهجور حتّى بمن فيه. وعلى الأرض يا حكم: طُفَر جامح، فَقْرٌ على رؤوس الأشهاد. بنوك ومصارف ومسؤولون، يصلحون جميعهم لحكايات ابريق الزيت، وإبداعات ألف ليلة وليلة: ناس بدولارات، وناس بما تبقّى من الليرة. وناس لبنان يا قطعة دولار…

أنظُر وأرى وأُحدِّق وأحزن، ولا أُصدِّق وكيف أُصدِّق أن ما اراه منذ ثلاثين عاماً هو لبنان، لبناننا الذي عشقناه مع كثيرين كثيرين من عرب وأجانب ومن أقاصي الأرض.

لبناننا هو هذا اللبنان الذي يحوي اليوم هؤلاء الفاسدين، وأولئك الأفسدين، ومعهم الذين حلبوه في كلّ الحقول، وعلى اعين كلّ الناس. وما زالوا حتّى اللحظة يُفتِّشون على مصالحهم وكيف ينقلونها لاحقاً: لبنان الأخضر، لبنان الفرح والأمل، لبنان الوطن الرسالة، لبنان الثماني عشرة طائفة، لبنان الذي يقهر اسرائيل كلّ يوم، لا بالخطابات والأصوات الملعلعة، بل بصيغته وتركيبته، وعلى هذه المساحة التي شاءها البطريرك الياس الحويّك أن تكون على هذا النحو، وخلافاً لخطَّة رئيس الحكومة الفرنسيّة جورج كليمنصو الذي وضع خريطة لبنانيَّة تمتد على ثلاثة وثلاثين ألف كيلومتر مربَّع. مع حكاية لا تُروى اليوم…

صرخ البطريرك: أبداً، لا يمكن. بدّي لبنان العشرة آلاف وأربعمئة واثنين وأربعين كيلومتراً، وجنوباً لا شمالاً. تفضَّل. فكان ما كان.