//Put this in the section

مِلْح الولي الفقيه: مَنْ يغشّ مَن؟

صبحي حديدي – القدس العربي

كان قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” ورجل الولي الفقيه الأبرز في المنطقة، أشهر خسائر التناطح الأخير بين واشنطن وطهران؛ يليه أبو مهدي المهندس، الشخصية الأبرز في “الحشد الشعبي” العراقي، المحتسب على إيران أكثر من العراق، موطنه الرسمي. ولقد اتضح، بعد ساعات قليلة من إسدال الستار على فصلَيْ التناطح، بين مطار بغداد الدولي وقاعدة عين الأسد العراقية، أنّ 176 آدمياً، ركاب الطائرة الأوكرانية التي أسقطها صاروخ “الحرس الثوري” الإيراني في سماء طهران، كانوا أقلّ الضحايا شهرة؛ بل يصحّ التذكير بأنهم من طراز الضحية مجهولة الهوية، إلا عند ذويهم بالطبع.




خطأ بشري، في وسع المرء أن يصدّق الرواية الإيرانية هنا تحديداً، ولكنه إقرار جاء بعد ساعات طويلة من نفي السلطات الإيرانية العلني لرواية إسقاط الطائرة، وهذا كذب وخداع وغشّ يستكمل نظائره في رواية طهران عن مقتل 80 جندياً أمريكياً في القصف الصاروخي الإيراني على قاعدة عين الأسد؛ وهو، استطراداً، لا يليق بجمهورية إسلامية يُفترض أنها مؤمنة بالحديث النبوي: مّنْ غشّنا ليس منّا. وإلى جانب هذا وذاك، ثمة مستوى من استغفال العقول يتوجب ان يندى له جبين أعتى وجوه “الممانعة”، خاصة وأنّ الكذب بات بالفعل ملح الممانعين الكبار القادة؛ ابتداءً من المرشد الأعلى خامنئي شخصياً، وليس انتهاءً بأمناء أحزاب الله الشيعية هنا وهناك!

هذا، من جانب آخر جوهري بدوره، ليس سمة أخلاقية تضع الصدق في مواجهة الكذب، فلا مناص للساسة وللسياسة من إدراج صنوف الغشّ في كلّ حين، وحيثما اقتضت الغاية اعتماد وسيلة كهذه؛ كما أنّ الممارسة هذه ليست حكراً على زعماء إيران، بل هي سارية وشائعة في أعرق الديمقراطيات (الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في الطليعة)، قبل الدكتاتوريات وجمهوريات الموز. ثمة، مع ذلك، حدود قصوى في معدّل إطلاق الأكاذيب أو نفي الحقائق؛ كأن يقرر مكتب الوليّ الفقيه (الآمر الناهي، أوّلاً وآخراً) استمهال السلطات الأوكرانية وقتاً للتحقيق في سقوط الطائرة، بدل المسارعة إلى النفي؛ أو الإعلان عن مقتل 20 أمريكياً في قاعدة عين الأسد، مثلاً، وليس 80 دفعة واحدة. والبلد الذي يخصّب اليورانيوم ويوشك على صنع قنبلة نووية، أو يتفاخر ببسط نفوذه الصريح في أربع عواصم عربية وينتظر المزيد؛ يتوجب ألا يعجز عن إيجاد مخارج مقبولة، نسبياً، للتكاذب والمخادعة.

وليت الحال تقتصر على علاقة النظام الإيراني بالعالم الخارجي، إذْ أنّ “عادة” التلفيق تأصلت سنة بعد أخرى، ومناسبة تلو أختها، حتى باتت ديدن السلطة، من دون أية حاجة إلى تبرير أو اعتذار أو تصحيح. على سبيل المثال، في الانتخابات الرئاسية لعام 2009، التي تواجه فيها محمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي، أُعلن الأوّل فائزاً بنسبة 62 في المئة مقابل 34 في المئة لمنافسه. لكنّ الاعتراضات على التزوير لم تأت من الشخصيات “الإصلاحية” المتضررة من النتيجة، فحسب؛ بل صدرت كذلك عن رموز كبرى، ليست البتة في صفّ الإصلاح. أحد هؤلاء كان علي أكبر محتشمي، مؤسس “الحرس الثوري” والمشرف على إنشاء “حزب الله” في لبنان والسفير الإيراني الأسبق ـ والأهمّ، حتى إشعار آخر ـ لدى النظام السوري؛ الذي طالب بتشكيل لجنة عليا للتحقيق تزوير الانتخابات. الرمز الثاني كان زهراء إشراقي حفيدة آية الله الخميني، التي اعتُقلت بسبب احتجاجها على تزوير الانتخابات؛ والثالث كان… موسوي نفسه، ليس بصفته المرشح عاثر الحظّ فقط، بل الفتى المدلل عند الخميني، ورئيس الوزراء طوال الحرب العراقية!

طريف، أخيراً، أنّ أحداً من مفوّهيْ “الممانعة”، ذوي الألسنة الطوال في ذمّ المعترضين على أكاذيب الوليّ الفقيه وأمراء ميليشياته، لم يجد أيّ حرج في إعادة إنتاج التلفيق، ثمّ ابتلاعه بعدئذ حين انكشفت سوأته، في انتظار إعادة تدويره مجدداً على هيئة غشّ مستحدث؛ فذاك الذي يغشنا منّا وفينا أوّلاً، وأصلاً، فما بالك أنه وليّنا وسيّدنا!