حراك لبنان وانهياراته وتحولات البيئة الدولية

محمد علي شحادة – باحث في القانون الدستوري

البيئة الداخلية، على تقاطع الانهيارات




جاء الحراك اللبناني متقاطعاً مع نهاية مسارات جمهورية الطائف، جاء في سياق انهيارات داخلية سياسية ودستورية واقتصادية واجتماعية، فالانقلاب الدستوري حصل عام 1992عندما تم وقف العمل بخارطة الإصلاحات الدستورية التي أقرها المجتمعون في الطائف، وحلت محلها تفاهمات سياسية للحكم تستند إلى تفسيرات سياسية للدستور والميثاق على حد سواء، أدت إلى تعطيل مؤسسات دستورية مهمة كالسلطة القضائية والمجلس الدستوري.

في السياسة انهارت صيغة الحكم المعتمدة منذ اتفاق الطائف القائمة على تفاهمات ثلاثية (الحريري- بري- جنبلاط) وهي الترويكا الحقيقية، حيث لم يكن الياس الهراوي فيها سوى ديكور مسيحي للحكم. أنتجت سياسات هذه الترويكا خلل كبير في إعادة توزيع الثروة والمواقع المفصلية في الدولة ومنافع الحكم لصالح طبقة محظية من الأزلام ورجال الأعمال من كل الطوائف تدور في فلك هذه الترويكا. اهتزت هذه الصيغة بفعل أزمات الحكم المتتالية بعد العام 2005 وكانت ذروتها مع أزمة حكومة السنيورة وما تلاها من أحداث أمنية وظهور تفسيرات دستورية جديدة للميثاقية لم تكن معتمدة أيام النفوذ السوري.

فرض حزب الله تفسيراً جديداً للميثاقية بعد خروج الضامن السوري لمصالح المقاومة السياسية في مؤسسات الدولة، فكان الحزب مضطراً بالتضامن مع حلفائه اقتطاع ثلث أعضاء الحكومة كصمام أمان لمصالحه السياسية في المؤسسات الدستورية بعد جنوح الأكثرية النيابية لتحالف 14 آذار إلى محاباة السياسات الأميريكية. وانطلق باسيل من “الميثاقية” نفسها لتعزيز الشراكة المسيحية في صيغة الحكم والمحاصصة، فبعد إيصال العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية بتسويات سياسية مع القوات والمستقبل، انتزع قانون انتخابي يؤمن وصوله كشريك كبير في لعبة الحكم، حيث أدى اقتطاعه لأكبر كتلة في البرلمان إلى تقليص نفوذ آل الحريري ووليد جنبلاط.

في الاقتصاد كما في السياسة، ضغط باسيل على الحريرية الاقتصادية وشركاءها التقليديين (بري، جنبلاط) لاقتطاع الحصة المسيحية من الصفقات ضمن اللعبة القائمة، عبر تسويات قائمة في الأصل على المصالح وليس على تفاهمات سياسية. ولكن وصول باسيل إلى حفلة المحاصصة جاء متأخراً ومترافقاً مع انهيار للنموذج الاقتصادي برمته، وتدني مستوى أداء الطبقة السياسية إلى ما يشبه فدرالية الطوائف في السياسة وفي الاقتصاد وحتى في النفايات.

انهار النموذج الاقتصادي السائد منذ التسعينيات والقائم على الاستدانة والاستهلاك وتحصيل منافع السلطة وتوزيعها على المقربين. نموذجاً فاتح لشهية الزواج بين أهل المال والمصارف وبين أهل السلطة، هذا النموذج الذي يحتاج دائماً إلى استقدام الدولارات من الخارج لشراء الاستقرار المؤقت دون أي محاولة لاتباع سياسات تعيد بعض التوازن إلى الميزان التجاري من خلال تشجيع الانتاج وخلق فرص عمل. تحت هذا الاستقرار المزيف وإغراق الدولة في الديون  انهارت الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، وفي هذه البيئة الداخلية نشأت مجموعات الحراك المدني في لبنان منذ العام 2010، في محاكاة للموجة الأولى لسقوط الأنظمة بعد الانتفاضات العربية، لتنفجر مع انتفاضة 17 تشرين 2019.

الخطاب المدني وانهيارات الداخل:

جاءت شرارة الحراك المدني لتواكب الانهيارات الاجتماعية باكراً منذ 9 سنوات مع أول تظاهرة حاشدة في بيروت تحمل أعلاماً لبنانية وعنواناً سياسياً وتهتف في وجه النظام السياسي الطائفي. ثم تتابعت حركتها في العامين 2015 و2017 ترافقاً مع أزمة النفايات في بيروت الكبرى وتفاقم أزمات الحكم. وشاركت مجموعات الحراك في خوض الانتخابات البلدية في العاصمة وحققت أرقاماً محترمة في وجه تحالف السلطة، ثم فشلت في توحيد لوائحها لتحقيق خرق في الانتخابات التشريعية عام 2018، باستثناء خرق بولا يعقوبيان في الأشرفية والتي لم تلقى تأييداً من بعض مجموعات الحراك معتبرين انها متسلقة وغريبة عنهم وأقرب إلى أوليغارشية السلطة الحاكمة.

تأسست تلك المجموعات المدنية في بيروت والمدن الكبرى تحاكي هذا التوجه المعارض جذرياً لنظام المحاصصة الطائفية، بعض هذه المجموعات هي صنيعة برامج التمويل الدولي للمنظمات الغير حكومية التي تنادي بالديموقراطية والتي تعمل على مناصرة مواضيع محددة تستهدف تغييرات قيمية معينة في المجتمع اللبناني. ومجموعات أخرى ذات التوجه اليساري تأثرت بتراكم تجارب اليساراللبناني قبل الحرب (شيوعي، منظمة عمل، حركة وطنية، يسار ديموقراطي- حركة الشعب – التنظيم الشعبي الناصري) وأخرى يبدو توجهها اليساري يحاكي الديموقراطية الاجتماعية (مجموعة مواطنون ومواطنات في دولة – شربل نحاس) وهذه الأخيرة قد تكون المجموعة الوحيدة التي تملك برنامجاً سياسياً واضح ومفصل لسلطة بديلة عن الطبقة السياسية القابضة على السلطة.

في هذا العبث “المجموعاتي” وغياب التنسيق والقيادات واختلاف الرؤى والأولويات، انفجرت انتفاضة 17 تشرين مع انهيار الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وكانت سياسات حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري لمعالجة تفاقم العجز تقوم على فرض ضرائب جديدة على الطبقات الشعبية، في أداء وقح لا يحاكي حجم الأزمة التي يعيشها الاقتصاد اللبناني وبدون اي محاولة ولو بسيطة للحد من الفساد المنظم، أو إعادة النظر في نظام توزيع الثروة المنحاز للمصارف وكبار المودعين، وبدون أي اصلاحات جذرية للنموذج الاقتصادي اللبناني الريعي.

عند هذا الحد أطلقت شرارة 17 تشرين في لحظة وصل فيها اللبناني إلى مرحلة الكفر بالطبقة السياسية المجتمعة في حكومات الوحدة الوطنية ، خاصة أنها بدت حلفاً واحداً بعد التسوية الرئاسية بين الحريري وباسيل، وبعد شهور العسل الطويلة بين الحريري وحزب الله. حيث عاش اللبنانيون بعد 17 تشرين حالة من “الوعي الطبقي” على إيقاع التراجع المعيشي الذي يعيشونه وأن هذه الطبقة الحاكمة أصبحت عاراً على بلدهم ومستقبل أولادهم.

كان لا بد لمجموعات الحراك أن تتوقع قيام قوى سياسية بركوب موجة الانتفاضة خاصة بعد اسقاط حكومة الحريري، حيث عمد فريق الأخير إلى تزخيم الشارع وقطع الطرقات لتحسين شروط التفاوض على حكومة اختصاصيين برئاسة سعد نفسه. وحاولت قوى أخرى بث الأجواء المذهبية لامتصاص بعض الزخم من الساحات و لكبح اندفاعة المنتفضين الذين خلعوا ثوب الطوائف، بهدف سحب ورقة الشارع من الحريري وحلفائه السابقين (قوات- جنبلاط- ريفي- الكتائب).

أما المجموعات المدنية من جهة أخرى تمسكت بشعارها الوحيد وطالبت بحكومة اختصاصيين مستقلة دون أن تقدم بديل سياسي صريح أو حتى برنامج عمل يكون سقفاً للحكومة التي يريدون، فخضع مطلبهم إلى تهجين سياسي على مشرحة اصطفافات 8 و14 آذار، وأصبح أي نقاش حول أسماء تقنية يخضع لفحوصات مخبرية سياسية دقيقة، خاصة أن النخب المدنية التي تقود الشارع بمعظمها أشخاص غير مضمونة من وجهة نظر القوى السياسية. ما دفع قوى الغالبية النيابية الحليفة لحزب الله إلى تبني الإسم الأكاديمي الأقرب في علاقاته لهم ليشكل ضمانة لموقف أي حكومة اختصاصيين من المسائل المتعلقة بسلاح حزب الله ومسألة اللاجئين وترسيم الحدود مع اسرائيل.

 

الحراك اللبناني والبيئة الدولية

في بيئة دولية تتحرك وتتبدل على إيقاع الحروب التجارية التي تشنها إدارة الرئيس ترامب على الصين لكبح صعودها الاقتصادي الهائل. سينشغل الأميركيون منذ الآن وصاعداً بأولويات حماية مصالحهم في شرق آسيا والعلاقات التجارية عبر المحيط الهادئ. سينعكس هذا التحول المزيد من الإهمال لمنطقة الشرق الأوسط والمزيد من الدبلوماسية مع إيران. ويشكل الإقليم طبقاً دسماً لتمدد النفوذ الروسي خاصة بعد تثبيت حكم بشار الأسد حليف موسكو الأول، وبعد صفقات الأسلحة الكبيرة مع كل من دول الخليج ومصر وتركيا، وتطلعات بوتين للفوز بعقود النفط والغاز في شرق المتوسط ومن ضمنها الحقول والموانئ اللبنانية.

في هذا الجو الدولي تسعى الولايات المتحدة لتقليص نفوذ إيران في العراق وسوريا ولبنان تلبية لنداءات اسرائيل بذلك. وساعدت ظروف تعثر الحكم في العراق ولبنان على اندلاع احتجاجات شعبية تطالب بتغيير الحكم، حيث بدت خصائص الأزمات الاجتماعية والسياسية متشابهة إلى حد كبير في البلدين (قيل بعد سقوط بغداد عام 2003 أنه يتم لبننة العراق).

كان الحراك اللبناني حراكاً يصطدم بتجاذبات المجتمع السياسي اللبناني، فمن جهة يتعرض حزب الله  لعقوبات شديدة أثرت بشكل أو بآخر على الأوضاع الاقتصادية للبنان ككل. فأصبح الحزب في موقع الذي يفضل العودة إلى ما قبل 17 تشرين لمنع أي تدهور في الأوضاع الداخلية وتخوفاً من إحياء الخطاب المطالب بنزع سلاحه، لذلك اتهم بعض الحراك بتبني أجندات غربية لاستهداف سلاحه. فسعى إلى تثبيت سعد الحريري في الحكم مجدداً اعتقاداً منه أن الحريري قد يضبط بعض الشارع  السني الذي تبين أنه الأكثر انخراطاً في الانتفاضة.

من جهة أخرى يقف سعد الحريري وحيداً في الرمال المتحركة، لم يعد لديه القدرة على الاستمرار بالتسوية التي كلفته خسارة ظهيره الإقليمي السعودي والكثير من شعبيته. فالمملكة وفق ما يبدو قد سلمت دورها في لبنان إلى دولة الأمارات العربية المتحدة، التي وقف سفيرها في دمشق منذ اسابيع للإشادة بـ “القيادة الحكيمة للدكتور بشار الأسد” وهذا مؤشر يدل على تبدل قادم في العلاقات بين الخليج ودمشق. أين سعد الحريري من هذا التبدل؟ هل يصلح للمرحلة القادمة؟ أين موقع لبنان في الاتفاق النهائي في سوريا؟

قد يكون هذا الجو الإقليمي سبباً من اسباب إقدام الأكثرية النيابية لحلفاء حزب الله في البرلمان اللبناني على وقف التفاوض مع الحريري واستبعاده، واتجهت نحو اختيار شخصية أكاديمية قريبة لتحالف 8 آذار، وهو البروفيسور حسان دياب ابن بيروت، وهو نائب رئيس الجامعة الأميريكية في بيروت للبرامج الخارجية الاقليمية.

ترافق هذا التكليف مع تغريدة  للمستشار وليد فارس، المقرب من مراكز القرار في واشنطن، حيث كتب “واضح أن الادارة الأميريكية لا تملك استراتيجية تجاه لبنان غير السياسة القائمة من 2008 اي التعاطي مع الحكومة اللبنانية القائمة، اياً كانت” وتابع قائلاً “التغيير التي أتت به إدارة ترامب هو عقوبات على حزب الله. على الرغم من التغريدات ليس هناك من وثبة كبرى، إلا اذا جن حزب الله وانقض على الثورة، ولكن الحزب ذكي” ، جاءت هذه التغريدة مترافقة مع تكليف حسان دياب تشكيل الحكومة وعشية وصول وكيل وزارة الخارجية الأميريكية للشؤون السياسية غلى بيروت على وقع احتجاجات وأعمال شغب لمناصري سعد الحريري في بيروت. فاجأ دايفيد هيل المراقبين بمواقف دبلوماسية هادئة لم تأتي على ذكر حزب الله  ونافياً أي دعم من بلاده للانتفاضة  ومستغرباً هذه الأقاويل. واضاف ان بلاده ستساعد اي حكومة تتشكل في لبنان وتمنى التوفيق لحسان دياب في مهمته.

جائت هذه الأجواء الأميريكية مخالفة للتوقعات أن هجوماً سيشنه الغرب على أي حكومة يقف وراءها حزب الله وحلفائه. ولكن يبدو أن الأميركيين لن يدخلوا في تفاصيل الأزمة اللبنانية ولن يكونوا عدائيين مع الحكومة اللبنانية القادمة. فتكليف د.حسان دياب الذي يشغل منصباً عالي المستوى في الجامعة الاميركية في بيروت، يؤشر إلى أنه قد يكون هذا الرجل تقاطعاً أميريكياً – ايرانياً لتقطيع المرحلة القادمة دون أي تغيرات جذرية في منسوب المواجهة في لبنان.

وأخيرا لا يمكن التغاضي عن الإشارات السلبية التي وصلت إلى سعد الحريري من حلفاءه السابقين (جعجع –كتائب – جنبلاط)، ما يعبر عن عدم رضى سعودي – غربي عن عودة سعد الحريري إلى الحكم، وهو ما ظهر جلياً نظراً للصمت السعودي وعدم إرسال أي رسالة دعم للحريري منذ وقت طويل، بالإضافة إلى امتناع باريس عن دعوة سعد الحريري إلى اجتماع مجموعة الدعم الدولية للبنان.

بالنتيجة أصبح الحراك المدني في لبنان أمام معادلة سقوط سعد الحريري وحكومة الوحدة الوطنية، وتشكيل حكومة اختصاصيين من قبل شخصية أكاديمية قريبة لحزب الله وحلفائه. كيف ستتفاعل مجموعات الحراك المدني مع هذا الواقع الجديد؟ هل سيتعاونون معه لتمثيلهم في الحكومة القادمة؟ أو سيبقون في الشارع لمواكبة التشكيل ورفض أي حكومة يشكلها حسان دياب؟ والسؤال الكبير، هل سيستمر الحراك بالبعثرة إلى مجموعات كثيرة غير مترابطة دون اي إطار لتوحيد جهودهم ضمن أجندة موحدة؟ وكيف سيتميزون عن مجموعات العنف التي ترفع شعارات مذهبية وتنزل إلى الشارع لأهداف مختلفة عن هدف الحراك المدني؟