لماذا تراجعت فرص الحريري لترؤس الحكومة وهل تواطأ مع حزب الله لقمع التظاهرات؟

سعد الحريري قد يخرج من دائرة الترشيحات للحكومة، وحديث عن تواطأ بينه وبين حزب الله ضد المتظاهرين.

يتواصل تسارع الأحداث في لبنان بدون ظهور بوادر حل ينقذ البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية الحادة، بل ازدادت الأمور تعقيداً مع تحطم التسوية والتحالف الهش بين الحريري من ناحية والرئيس ميشال عون من ناحية أخرى ومعه حزب الله بشكل غير مباشر، وهي التسوية التي أوصلت عون للرئاسة والحريري للحكومة.




ولكن اليوم وصلت العلاقة بين عون وصهره جبران باسيل وزير الخارجية اللبناني وبين الحريري إلى أسوأ حالاتها، بعد أن شعر عون وصهره بأن الحريري يتلاعب بهما، ويحاول استغلال المطالب الرامية لإبعاد باسيل عن الحكومة.

ولكن الأسوأ بالنسبة للحريري بعدما بدأ يفقد حلفاءه الجدد، أنه يبدو أنه يخسر حلفاءه القدامى أيضاً، بل حتى كثيراً من تعاطف رعاته الدوليين.

الشارع يرفض الحريري والقصر ممتعض منه

تم إرجاء الاستشارات النيابية أمس الأول، بعد ليلة ساخنة تضمنت ميدانياً توجيه رسائل سياسية كان ضحيتها جموع الغاضبين الرافضين لعودة سعد الحريري لرئاسة الحكومة.

الشارع اللبناني أصلاً انتفض ضمن شعار أوحد اتفق عليه وهو «كلن يعني كلن» والطبيعي أن الحريري واحد منهم.

وبعيداً عن لغة الشارع وبالعودة للغة صالونات السياسة المغلقة بدا واضحاً أن تأجيل الاستشارات الملزمة بعيد شهرين على استقالة حكومة العهد الثانية تأتي في إطار الخشية المستمرة للحريري من أن يخسر فرص ترؤس الحكومة، بعد تلك الرسائل القاسية التي وجهت له من الخارج حول أدائه المستغرب في تغطية أحلام جبران باسيل (الذي يعتقد أنه يريد الوصول للرئاسة) وشرعنة سلاح حزب الله.

لا أصوات مسيحية في الاستشارات

ما هو يقيني أن ٣ كتل مسيحية وازنة لن تسمي الحريري في استشارات ملزمة ومؤجلة، وهي كتلة التيار الوطني الحر التي يقودها باسيل، والقوات اللبنانية التي يقودها جعجع وكتلة حزب الكتائب اللبنانية الذي يقوده سامي الجميل.

تؤكد تلك الكتل على اختلاف أسبابها في عدم تسمية الرجل وتمسكها بحكومة تعيد الأمل للمتظاهرين منذ ٦١ يوماً.

لكن الواضح الأكيد بعدم تسمية القوات للحريري أن مستوى الخلاف بلغ ذروته بين الفريقين، وأن جعجع الذي استقبل موفد الحريري منذ أيام أوصل رسالة قاسية، مفادها أن أداء الحريري حليفه التقليدي السابق لم يكن يصب إلا في خدمة المشروع الإيراني، حسبما قال مصدر قيادي في القوات رفض ذكر اسمه لـ»عربي بوست».

لكن الكواليس السياسية تتحدث عن تحفظ أو حتى رفض أمريكي واضح لعودة الحريري.

والسبب أن الثقة باتت مفقودة به، وما موقف القوات برفض تسمية أي شخصية للموقع الشاغر إلا تأكيد على هذه التحليلات التي تشير إليها مصادر وأوساط متابعة لمسار تشكيل الحكومة العتيدة.

وهناك كلام يتردد في أروقة السياسة اللبنانية نقلاً عن مسؤولين أمريكيين أنهم يفضلون حكومة اختصاصيين (تكنوقراط) برئاسة نواف سلام.

وبالفعل ذهب حزب الكتائب إلى تسمية السفير نواف سلام ليختصر على نفسه محاولات الحريري في دغدغة عواطفه.

يبقى التيار العوني الذي يقوده باسيل والذي اشترط أنه إما الحريري وباسيل معاً على طاولة مجلس الوزراء، أو يقلبها التيار على رأس حليفه زعيم تيار المستقبل.

ويعني ذلك أنه في حال تشكيل الحكومة قد تكون فاقدة الميثاقية لأنها لن تحظى بتأييد مسيحي، بل إنه حتى هناك حديث عن عدم تسمية كتلة حزب الله للحريري إرضاءً لعون وباسيل الغاضبين من سياسات الحريري المستجدة.

يأتي الموقف الفرنسي والذي يؤكد عدم تمسك باريس بحكومة يرأسها سعد الحريري ليزيد من خوف الرجل على مستقبله السياسي بعد تخلي حليفه السعودي عنه ورفضه مساعدة أي حكومة تعيد نفس التركيبة السياسية من جديد.

وتفيد تقارير إعلامية بأن الموقف الدولي لا يتعلّق أو يرتبط بأشخاص. فلا أحد مثلاً يتمسك بعودة الحريري أو يربط شخصه ووجوده بتقديم مساعدات، ولا أحد أيضاً يربط المساعدات برئيس الجمهورية أو التيار المسيحي «القوي».

على العكس، حسب ما تفيد مصادر دبلوماسية، فإن الدول لا تتمسك بأي شخص، لا بل تضع ملاحظات كثيرة على المسؤولين وتنتقد أداءهم، وتعبّر عن إنزعاجها بسبب التجربة المريرة منذ ثلاث سنوات.

الحريري يطلب وساطة بري

الواقع أن الحريري المنقطع عن عون اضطر لتوكيل بري بمهمة ترطيب الأجواء بينه وبين عون، بادر بري بالاتصال بالأخير وإقناعه بداية بتأجيل الاستشارات، حسبما قال مصدر مقرب من  رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ»عربي بوست».

كان الجواب بداية الرفض فعون مصر على إتمامها بوقتها من باب تأديب الحريري وحشره في الزاوية وإخضاعه من جديد، لكن إصرار بري على فكرة التأجيل اضطرت عون للقبول، طلب حينها بري من عون الموافقة على إجراء اتصال بينه وبين الحريري ثم حصل الاتصال الشهير وتم تأجيل استشارات أصبحت متأخرة شهرين.

ليلة دامية سبقت التأجيل.. الحريري يضحي بالشارع لأجل الحكومة

المحتجون هم من دفعوا مباشرة ثمن مخاوف الحريري من إبعاده عن ترؤس الحكومة، خاصة في ظل رفضهم لتكليفه بينما كان يقدم نفسه على أنه لبى مطالبهم بالاستقالة واشتراطه تشكيل حكومة تكنوقراط.

فبالعودة قليلاً إلى الوراء وتحديداً بعد ظهر السبت الماضي 14 ديسمبر/كانون الأول، هاجمت مجموعات محسوبة على حزب الله وحركة أمل المتظاهرين في ساحتي رياض الصلح والشهداء، لم يكن هذا التحرك الأول من نوعه.

لكن المتغيّر، هو أداء قوى الأمن الداخلي المحسوبة وفق التقسيمات السياسية على تيار المستقبل بزعامة الحريري، والتي استخدمت العنف ضد المتظاهرين وغضت الطرف على مناصري الحزب والحركة، فاستمر الشغب والتوتر طوال الليل.

المشهد نفسه تكرر بوتيرة أكبر ليلة أمس الأول الأحد، مجموعات موالية للأحزاب تهاجم المتظاهرين.

وقوى الأمن تستمر في استخدام العنف والقوة، ضد المتظاهرين وكأنه شيء منسق ومجهز لليوم التالي وهو أن الحريري يرغب أن تنتهي التحركات في الشارع قبل تكليفه المنتظر، لكن ما جرى حتى ساعات الصباح الأولى وإصرار المتظاهرين الذين توافدوا إلى بيروت على البقاء للمواجهة، كان أحد أسباب لجوء الحريري للتأجيل.

الرجل ومعه كل قوى السلطة يغيب عن أذهانهم أن العنف والقمع يولد مزيداً من الاحتجاجات والتظاهرات ويعيد للشارع زخمه.

بينما يقدم تيار المستقبل تفسيراً آخر لتأجيل الاستشارات.

إذ يقول رئيس المكتب السياسي لتيار المستقبل مصطفى علوش لـ»عربي بوست» إن تأجيل الاستشارات يأتي لضمان المشاورات الإيجابية بين كل الأطراف.

ويؤكد أن البلد مقبل على تحولات ستعيد رسم المشهد السياسي من جديد، لقد انتهى عهد تجاوز الدستور والعبث بالطائف، حسب ما يقول الرجل.

يجيب علوش عن سؤال إعادة تسمية الحريري ليؤكد أن الأمور غير واضحة بعد، وأن الخميس القادم سيحدد شكل المرحلة القادمة.