سوريا بوابة بوتين للعالمية.. كيف ساهمت دمشق في عودة روسيا كقوة عالمية مرة أخرى؟

يرى البعض أن تدخل روسيا في سوريا جاء لإنقاذ بشار الأسد، بينما يرى البعض الآخر أن الهدف كان وضعاً قادماً للدب الروسي في الشرق الأوسط، لكن القرار الروسي الاستراتيجي يحمل أبعاداً أعمق بكثير تتخطى حتى الشرق الأوسط الذي لم تغادره موسكو بشكل كامل في أي وقت.

مجلة ذا ناشيونال إنتريست الأمريكية نشرت تحليلاً بعنوان: «كيف أصبحت سوريا محور الاستراتيجية الروسية تجاه الشرق الأوسط»، تناول الاستراتيجية الروسية وكيف أنها تتعدى مسألة وجود قواعد عسكرية روسية في سوريا.




الأسباب التي تبدو واضحة للوهلة الأولى

غالباً ما تُركِّز التحليلات الدولية للحملة العسكرية الروسية في سوريا على الأهداف الرئيسية للحملة، إذ يتجادل الصحفيون والساسة والخبراء والنقاد حول ما إذا كانت روسيا تحاول إنقاذ بشار الأسد أم تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وغيره من الجماعات الإرهابية في المنطقة.

وصحيحٌ أنَّ هذه النقاشات كثيراً ما تكون مهمة من الناحية السياسية، لكنَّها تميل إلى أن تكون مثيرة للخلاف إلى حدٍّ كبير، ولا تُسهِم كثيراً في فهم خلفية الحملة الروسية أو سياقها الأوسع أو عواقبها. لذا يبدو أنه يُمكن اتباع نهج تحليلي أفضل توضيحاً. إذ يمكن للخبراء قضاء سنوات في دراسة مذاهب السياسة الخارجية وخطابات صانعي القرار، لكنَّهم يظلون غير قادرين على فك شفرة كيفية تصرُّف الدولة المعنية في ظروفٍ مختلفة. وفي هذا الصدد، توضِّح تصرفات روسيا تجاه الأزمة السورية الكثير من المعلومات، إذ توفِّر توضيحات فكرية كثيرة لأولئك الذين يحاولون فهم السياسة الخارجية الروسية.

وسواءٌ أكان المرء يعتقد أن روسيا تحاول إنقاذ بشار الأسد، وهذا الأقرب إلى التصور الغربي، أم محاربة داعش، فهناك عدة نقاط غير قابلة للجدل.

سوريا حليف روسيا منذ الحرب الباردة

بادئ ذي بدء، تعد سوريا حليفةً لروسيا في الشرق الأوسط، إذ طلب بشار الأسد المساعدة من موسكو، فوقفت روسيا إلى جانب حليفها في ظروفٍ صعبة للغاية. وكثيراً ما ذكر النقاد والساسة الأمريكيون، لا سيما الجمهوريين، في الشهر الماضي نوفمبر/تشرين الثاني أنَّ الحملة العسكرية الروسية تُمثِّل عودة موسكو إلى الشرق الأوسط. وتشير هذه التصريحات إلى أنَّ موسكو لم تكن موجودة في المنطقة منذ أنَّ حوَّل الرئيس المصري الراحل أنور السادات ولاء مصر من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة، لكنَّ ذلك ليس صحيحاً.

وعلاوة على ذلك، يجب أن ننظر إلى الوضع الحالي لعلاقات روسيا في الشرق الأوسط، فروسيا لم تغب عن الشرق الأوسط، إذ كانت سوريا حليفةً للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، لذا كان من المنطقي للغاية أن يطلب بشار الأسد مساعدة روسيا.

روسيا لا تتخلى عن الحلفاء

ويؤكِّد العديد من المراقبين أنَّ الحملة العسكرية الروسية في سوريا تُمثِّل تحدياً جريئاً للولايات المتحدة في المنطقة. وفي ضوء ذلك، فقرار روسيا بالوقوف إلى جانب حليفتها له أهمية خاصة. إذ يُذكَر أنَّ إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما تخلَّت عن الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، الذي كان حليفاً لأمريكا منذ فترةٍ طويلة، لكنَّ الكرملين ساعد الأسد في ظروفٍ أشد تعقيداً. وهذا الموقف جعل قادة المنطقة يفكرون ملياً في الفارق بين الموقفين.

ثانياً، يمثل التدخل العسكري في سوريا اختباراً في غاية الخطورة لعلاقات روسيا في المنطقة. فشؤون الشرق الأوسط في حالةٍ من التغيُّر المستمر، وتزداد تغيُّراً كل عام. لذا من الصعب للغاية في هذا الوضع التظاهر بوجود تحالفات مستدامة أو أصدقاء منذ زمن طويل يمكن أن تعتمد عليهم قوة خارجية في الشرق الأوسط. ومن ثَمَّ، فلتشكيل التحالفات اللازمة لأهداف متنوعة وأزماتٍ متغيرة، يُعد أحد أهم الأشياء لأي قوةٍ خارجية هو اتساع علاقاتها في المنطقة.

قنوات اتصال مفتوحة مع الجميع

وهنا من الصعب ألَّا نلاحظ أنَّ روسيا تتحدَّث إلى جميع بلدان المنطقة تقريباً، بالرغم من مختلف الانتقادات والمخاوف التي تعرب عنها حكومات تلك البلدان بشأن الحملة الروسية. ففي أثناء الشهر الماضي، أبقت روسيا قنوات اتصال مفتوحةً على مصراعيها مع مصر والأردن وتركيا والكويت والمملكة العربية السعودية وإسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، فموقف روسيا من سوريا مشابه جداً لموقف إيران منها. وكذلك أبدى مسؤولون عراقيون اهتماماً قوياً بالتعاون مع روسيا في محاربة داعش. وصحيحٌ أن إجراء بعض هذه المحادثات يعد صعباً، لكنَّ استمرارها يعزز موقف روسيا الإستراتيجي في المنطقة تعزيزاً كبيراً. وهنا يمكننا مرةً أخرى مقارنة الموقفين الروسي والأمريكي، فعلى سبيل المثال، من الصعب جداً على واشنطن أن تتعامل مع العديد من القضايا في المنطقة دون التحدث إلى طهران، لكنَّ هذه الخطوة صعبة في ضوء ما تفرضه السياسة الداخلية للولايات المتحدة.

وربما يتيح لنا قرار التدخل الروسي في سوريا استخلاص عدة استنتاجات بشأن السياسة الخارجية الروسية سواءٌ في الشرق الأوسط أو خارجه، أهمها أنَّ موسكو لا تخشى اتخاذ قرارات جريئة. وربما يقول البعض إنَّ قرار التدخل في سوريا كان محفوفاً بالمخاطر، ولكن في عصرنا الحالي الذي يشهد تدقيقاً عامَّاً عالمياً، وإغراقاً معلوماتياً، وتسويفاً سياسياً عالمياً، وفي بيئةٍ معقدة سريعة التغير مثل الشرق الأوسط، يُمكن القول إنَّ الكرملين اتخذ خياراً جريئاً بالتدخل.

ما الذي تسعى إليه روسيا فعلاً؟

صحيحٌ أنَّ الإجابة على سؤال: ما الذي تحاول موسكو تحقيقه؟ وكيف ستُنهي تدخلها في سوريا؟ لم تتضح حتى الآن، ولكن ليس هناك شكٌّ في الشجاعة الاستراتيجية التي تتسم بها السياسة الخارجية الروسية. وبإظهار هذا النوع من الجرأة، فموسكو، بغض النظر عن أهدافها، تجبر الأطراف الفاعلة الأخرى في الشرق الأوسط على اتخاذ ردود فعل، سواء أكانت مستعدةً لذلك أم لا. حتى أنَّ بعض الخبراء الأمريكيين أشاروا إلى أنَّ قرار أوباما بإرسال خمسين فرداً من القوات الخاصة الأمريكية إلى سوريا يمكن اعتباره رداً على تصرفات روسيا.

وتتضمن شجاعة موسكو أيضاً قدراتها العسكرية واستعدادها لاستخدامها. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، شكَّك العديد من المتشككين المحليين والدوليين في أنَّ قدرات جيش روسيا تسمح لها بتحقيق ادِّعاءاتها بأنَّها قادرة على تأدية دور أكبر في الشؤون العالمية، وليس المقصود هنا أنَّ تستخدم التهديدات العسكرية أداةً في سياستها الخارجية، ولكن من وقت لآخر، كُنا نسمع بعض النقاد يتساءلون: لماذا ينبغي اعتبار روسيا قوةً كُبرى؟

ماذا عن القدرات العسكرية؟

واليوم حصل هؤلاء المتشككون على الإجابة. فإذا كان الأسطول القزويني، الذي يعتبره البعض «قوةً بحرية متخلفة»، قد استطاع استخدام صواريخ كروز لضرب أهداف على بعد آلاف الكيلومترات، فما حجم القوة التي تحتفظ بها روسيا لوقت الحاجة، لا سيما حين تكون مستعدة لاستخدام قدراتها العسكرية؟ بالطبع هناك عددٌ كبير من النقاد الذين يتوقعون أن بعض صواريخ كروز الروسية لم تصل إلى أهدافها. ولكن لا يوجد جيش مثالي أو تكنولوجيا مثالية، ولم يستطع أحدٌ حتى الآن أن يثبت عدد الصواريخ التي فشلت في الوصول إلى أهدافها. ومن المهم كذلك الأخذ في الاعتبار أنَّ روسيا استخدمت هذه الصواريخ، استخداماً شبه روتيني، في حملةٍ عسكرية بعيدة عن أراضيها بمحض إرادتها، وليس في أثناء معركة وجودية أو قتال من أجل مصالح وطنية حيوية. ومن هذا المنظور، يتضح مرةً أخرى أنَّ هذا التدخل يمثل خطوة مهمة للغاية.

وبوجهٍ عام، يجري الجيش الروسي عملياته في حملته في سوريا في أرضٍ غير مألوفة له من عدة جوانب. فحتى عمليته التي شنها في عام 2008 في جورجيا، كانت قريبة من الحدود الروسية، وكانت ضد عدو يعرفه جيداً. لكنَّ هذا لا ينطبق على حملته في سوريا، حيث تشن روسيا حملةً على غرار الحملات التي لم تنفذها مؤخراً سوى الولايات المتحدة أو قوات تخضع لقيادة أمريكية، فتنفيذ غارات جوية من قاعدة أجنبية، وإطلاق صواريخ كروز، واستخدام أنواعٍ مختلفة من الاستطلاع الفضائي والإلكتروني، وعدم إرسال وحدات تابعة للقوات البرية، والاستعانة بطائرات بدون طيار، والتنسيق الوثيق بين القوات البحرية والقوات الجوية، والتعاون مع جيشٍ أجنبي، كلها علامات على عملية نموذجية من عمليات الحرب الحديثة. وقريباً، سيتوافر لدى العالم المزيد من الأدلة ليحكم بها على استعداد روسيا لهذا النوع من القتال.

القدرة على التعلم من الأخطاء

أمَّا النقطة المهمة التالية التي يجب متابعتها عند تحليل أهمية التدخل الروسي في سوريا لسياسة روسيا الخارجية، فهي قدرة موسكو على التعلم من التجارب السلبية الماضية، سواء تجاربها الخاصة أو تجارب الآخرين. وأول شيء يجب ملاحظته هنا هو أنَّ روسيا بذلت جهوداً أكثر اتساقاً لجعل حملتها في سوريا شفافة. إذ تتواصل وزارة الدفاع الروسية ووزارة الخارجية الروسية والكرملين مع نظيراتها في بقية دول العالم ووسائل الإعلام الدولية بدرجةٍ فاقت توقُّع أي شخص مُطَّلع على عادات المسؤولين الروس في مثل هذه المواقف.

وبالنظر إلى العلاقات الباردة بين الكرملين والبيت الأبيض، بدا الاجتماع الذي جمع بين بوتين وأوباما في سبتمبر/أيلول في نيويورك محاولةً من الرئيس الروسي لشرح موقف بلاده شخصياً أكثر ممَّا بدا محاولةً للحصول على الدعم الأمريكي. وقد تكون هناك أسباب مماثلة وراء المشاورات المستمرة الحالية بين روسيا وقوى الشرق الأوسط، والدعوات التي توجهها وزارة الدفاع الروسية إلى الملحقين العسكريين في موسكو وكبرى الدول الغربية، لا سيما الملحقون الأمريكيون، لإنشاء قنوات اتصال من أجل تفادي الحوادث العارضة.

ويمكننا كذلك ملاحظة أنَّ وزارة الدفاع الروسية فتحت مركز معلومات لتوفير معلومات رسمية عن تطورات حملتها في سوريا أولاً بأول، بما في ذلك مقاطع فيديو خاصة بالغارات. وقد يُشكِّك البعض هنا في فعالية هذا الجهد الروسي في مجال العلاقات العامة، لكنَّه يمثل خطوة كبيرة إلى الأمام مقارنةً بتصرفات روسيا خلال حملتها العسكرية في جورجيا في عام 2008، عندما تفاعلت موسكو ببطء مع تحركات جورجيا لكسب التعاطف الدولي. حتى أنَّ الكرملين بذل جهوداً في الحملة الجارية للتواصل مع قوات المعارضة المناهضة للأسد.

لكنَّ روسيا كان لديها المزيد من النقاط لتدرسها قبل حملتها في سوريا، ومن بين هذه النقاط الدروس المستفادة من الحملات العسكرية الخارجية الفاشلة، سواء الحملات الروسية وحملات الدول الأخرى. وهناك الكثير من المراقبين الآن يقارنون بين الحملة الروسية في سوريا والتوغل السوفيتي في أفغانستان.

ولكن ليست كل المقارنات صحيحة بالتأكيد، فالتضاريس والثقافة والسياسة في سوريا الحديثة وأفغانستان قبل حوالي 40 عاماً مختلفة تماماً. والأهم من ذلك، أنَّ الاتحاد السوفيتي كان يعتبر أنَّ الحرب في أفغانستان صارت حرباً كاملة بالوكالة ضد الولايات المتحدة وباكستان ودول الخليج، التي قدمت دعماً حاسماً للمعارضة الأفغانية. لكنَّ الولايات المتحدة تجد صعوبة في العصر الحاضر في التفريق بين «المتمردين السائدين» و «المعارضة الديمقراطية» في سوريا، فضلاً عن ترددها في إمداد «الرجال الأخيار» بالأسلحة الأكثر تطوراً. ومع أنَّ سوريا ليست أفغانستان قبل 40 عاماً ، فإنَّ روسيا ما زال لديها عدد كبير من النقاط لتدرسها إلى جانب التجربة السوفيتية السلبية، أو حتى الانتقال الأمريكي المحكوم عليه بالفشل في فيتنام من القصف إلى الحملة البرية.

وفي هذه المرحلة، من السابق لأوانه القول ما إذا كانت روسيا قد أدَّت «واجبها». ولكن كما أوضحنا أعلاه، فبعض الحقائق المهمة المتعلقة بسلوك روسيا على الساحة الدولية واضحةٌ بالفعل خلال حملتها العسكرية في سوريا.