النهار تستنسخ تجربة الغارديان بطلب دعم من القراء

أطلقت صحيفة “النهار” اللبنانية حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطلب فيها دعم القراء والمتابعين، لاستمرار الصحيفة وتمكين صحافييها من أداء مهماتهم على أكمل وجه، في خطوة مماثلة لما قامت به صحيفة الغارديان البريطانية.

وقالت “النهار” في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني الاثنين “نشهدُ اليوم لحظة مأزومة غير مسبوقة في بلدِنا، ونرى توالي فصول الأزمة الاقتصادية التي تضربُ المؤسسات وتهدّد وجودَها، فتعجزُ عن تسديد رواتب موظفيها وتجد نفسها في المجهول”. وتابعت “يتضاعف أثر الأزمة في القطاع الإعلامي الذي يعاني أصلا تراجعا في عائدات السوق الإعلاني، فكيف في ظل الأزمة التي جعلت المعلنين ينكفئون أكثر فأكثر؟”.




وقالت إن الإعلام الحرّ يصارع من أجل البقاء في عالم تكثرُ فيه التحوّلات التكنولوجية والاقتصادية، وتتعقد فيه الأزمات السياسية والأمنية.

وأشارت إلى أن “النهار” واحدة من المؤسسات الإعلامية التي عانت منذ تأسيسها مخاض هذه التحوّلات، وتمكنتْ بفضل وفاء قرائها وثقتهم وإصرارها على التمسك بخط التنوع والتعددية والرأي الحرّ، من الصمود، على رغم الاغتيالات والاعتقالات والصعوبات ومحاولات التضييق بكل أشكالها.

وعنونت “النهار” حملتها بـ”أنتم حبرنا” #donateink، في إشارة إلى أنها لن تستطيع الاستمرار والبقاء دون دعم القراء لها، وتوجهت إلى متابعيها في عدد الاثنين، وقُسّمت صفحتها الأولى إلى نصفين؛ الأول أبقته فارغا والثاني خصّصته للعنوان الرئيسي.

وفي القسم الفارغ من الصفحة، دونت رسالة باللغة الإنكليزية جاء فيها “الصحيفة التي تبرّعت بالدماء، تطلب منكم اليوم التبرّع بالحبر”. وفي القسم الثاني من الصفحة، كتبت “النهار” “الحريري يكلّف اليوم وسط النار الملتهبة”. وسبق أن قلصت الصحيفة عدد صفحاتها من 12 صفحة إلى ثمان، بعد ما كانت 24 صفحة.

وتعتبر خطوة صحيفة النهار جديدة وغير مسبوقة في المحيط العربي، إلا أنها نموذج عالمي يزداد انتشارا في السنوات الأخيرة، ويقوم على فكرة التمويل الجماعي، حيث يدعم الجمهور مؤسسات إعلامية لضمان استمرارها، ويتم ذلك عبر التبرع المباشر في مواقع هذه المؤسسات أو التبرّع عبر منصات متخصصة في التمويل الجماعي.

وتظهر على الموقع الإلكتروني لصحيفة الغارديان البريطانية، رسالة موجهة إلى الجمهور تطلب فيه إدارة الصحيفة التبرّع من أجل المساهمة في ضمان مستقبلها، مؤكدة أنها تريد الحفاظ على استقلاليتها التحريرية تماما.

وإذا كانت الغارديان أصبحت مثالا بنجاح التجربة والحصول على دعم واسع من القراء بلغ مليون شخص العام الماضي، فإن ذلك يعود بشكل رئيسي إلى المحتوى المميز الذي تقدمه الصحيفة المعروفة باستقلاليتها وحرصها على تنوع وتعدد مصادر الأخبار، إضافة إلى انتشارها الواسع، ووجود متابعين وقراء لها في شتى أنحاء
العالم.

لكن التجربة ستكون أصعب بكثير بالنسبة لصحيفة النهار، في بلد تعاني فيه الصحافة من تدهور مستمر، وعزوف القراء والمتابعين عنها وأحد الأسباب الرئيسية لهذا العزوف هو انعدام الثقة بالمحتوى وهيمنة الأحزاب السياسية، واضطرت العديد من الصحف ووسائل الإعلام لإغلاق أبوابها في السنوات الأخيرة، منها صحيفة “السفير” و”الأنوار” و”الاتحاد” و”المستقبل” و”البلد” ومكتب صحيفة “الحياة” في بيروت.

وتعدّ صحيفة النهار التي تأسست عام 1933 من أكبر الصحف اليومية في لبنان، لكنها تعاني أزمات متعددة جراء الضبابية السياسية والصعوبات المالية التي يعاني منها لبنان والتي انعكست على الصحافة المكتوبة.

وتكرر صحيفة النهار اليوم طريقة الاحتجاج التي قامت بها في 11 أكتوبر 2018، عندما ظهرت في خطوة غير مسبوقة بثماني صفحات بيضاء دون محتوى مع الاكتفاء باسم الصحيفة في الوسط وصورة مديرها السابق النائب الشهيد جبران تويني مع قسمه على اليمين.

وأعلنت وقتها أنها أطلقت شعار “نهار أبيض بوجه الظلمة”، معربة عن أملها في أن يكون هذا الإصدار نقطة تحول في الصحافة اللبنانية وناقوس خطر تجاه الأوضاع المتأزمة إعلاميا وسياسيا.

ولم تقتصر الصفحات البيضاء الفارغة لـ”النهار” على النسخة الورقية فقط، بل شملت الموقع الإلكتروني وصفحات الجريدة في مواقع التواصل الاجتماعي التي صدرت أيضا بشاشة بيضاء.

وقالت الصحيفة إن أوضاع لبنان غير المستقرة دفعت النهار لهذه الخطوة التصعيدية، وحسب تصريح لرئيسة تحرير الصحيفة نايلة تويني فإن القرار جاء عقب ازدياد الخطر ”وصفحات النهار البيضاء هي لحظة تعبير مختلفة عن شعورنا الأخلاقي العميق بالمسؤولية كمؤسسة إعلامية وطنية تجاه وضع البلد الكارثي”.

وبعد أكثر من عام على ذلك الصدور، باتت الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد أكثر ترديا، والأزمة السياسية انعكست على الصحافة المكتوبة، فلجأت “النهار” إلى الأمل الأخير بطلب دعم القراء، لعلها تفوز بالثقة وتحافظ على استمراريتها.