غسان الحجار - النهار

ما هكذا يا سيِّد – غسان حجار – النهار

للمقاومة فضل كبير على لبنان إذ لها المساهمة الكبرى في تحرير البلد من الاحتلال الاسرائيلي، مثل مقاومات اخرى سبقتها، ومنها “جبهة المقاومة الوطنية” التي كانت السبّاقة في مواجهة اسرائيل، وايضا “الجبهة اللبنانية” التي منعت تحويل لبنان محافظة سورية كما دولة بديلة للفلسطينيين. لكن هذه وتلك صارتا من الماضي بفعل تبدّل الظروف، ولم تصمد في الساحة الا “المقاومة الاسلامية” بسبب جملة معطيات وفّرت لها مستلزمات البقاء.

ولهذه المقاومة فضل ايضا يبلغ الحدود مع سوريا في زمن ارهاب “داعش” وانتشار التكفيريين في مناطق لبنانية عدة بعد تسللهم عبر الحدود غير المضبوطة منذ زمن الاستقلال.




لكن سلاح المقاومة الذي لعب دورا ايجابيا، اثَّر ايضا بشكل سلبي على اللبنانيين، لكونه اولاً سلاحَ تصدٍ لاسرائيل المحبوبة من الغرب، ولانه استخدم مباشرة او غير مباشرة في غير مكانه الصحيح، اذ ان اثره غير المباشر يطاول الساحة اللبنانية، لانه يعطي اصحابه فائض قوة يسبب عامل ضغط على القوى الاخرى المجردة من السلاح.

وهذا السلاح الذي خرج من نطاقه اللبناني الى ساحات اخرى بذرائع مختلفة، احرج الدولة بمؤسساتها السياسية واجهزتها الامنية وعلاقاتها الديبلوماسية، وسبّب للبنان الضغوط الدولية، والعقوبات، وصولاً الى الحصار الذي يعانيه البلد اليوم. فالوضع المالي الاقتصادي، وإن كانت اسبابه سياسات اقتصادية قامت ربما على رهانات خاطئة، الا ان الازمة الوليدة تنبع من اجراءات صارمة يتخذها المجتمع الدولي، وواشنطن في مقدّمه، لمعاقبة لبنان، وخصوصا العهد الحالي، الذي بات لصيقاً بـ”حزب الله”، ولم يترك المسافات الكافية، ولو شكلية، مع الحزب، بل ذهب رئيسه ميشال عون ووزير خارجيته جبران باسيل، الى تحدي المجتمع الدولي في عقر الامم المتحدة، والتلويح بإعادة التواصل الرسمي مع النظام السوري، من دون تقدير قدرة لبنان على هذا التحدي.

والى العقوبات الاميركية من منع التحويلات الى لبنان، والضغط على القطاع المصرفي المرتبط بالغرب، نشأت عقوبات عربية مماثلة، من غياب الاستثمارات، وحتى الودائع، وفرض رقابة صارمة على التحويلات، وحظر سفر رعاياها الى لبنان، وهي اجراءات مبررة اذ لا تلقى من البلد الشقيق، غير الرسمي، الا الشتائم والتهم، في ظل صمت رسمي مطبق يعبّر عن العجز.

واذ يكمن الخطر في الآتي من الايام، حيث يمكن ان تسود فوضى تسببها الازمة الاقتصادية، فان الخطر الاكبر يكمن في حالة الانكار التي تسود البلاد. فالسيد حسن نصرالله يرمي باللائمة على الخارج، من دون الاقرار بمسؤوليته ومسؤولية حزبه، ولو جزئية، عن التطورات الدراماتيكية، والرؤساء الثلاثة يردد كل منهم انه يقوم بواجبه، وان العقدة تكمن في مكان آخر، من دون حسّ الحد الادنى بالمسؤولية، والاحزاب في عوالم اخرى.

ولا يطوي الازمة اطمئنان السيد نصرالله الى ان اموال الحزب لا تمر عبر المصارف، وانها تُدفع نقدا، وبالتالي فان وقع الكارثة عليه وعلى جمهوره سيكون اقل وطأة من “مجتمعات اخرى”، اذ ان التداعيات الكارثية ستصيب الجميع، وبالتالي يجب التعويض على جميع الفئات التي تتلقى النتائج، فخلاص النفس، والجماعة اللصيقة، وإن كان مشكوكا فيه، لا ينقذ الوضع، ولا يبني بلداً.