ما قاله عون عن الحريري يفسّر لماذا طارت الاستشارات!

أحمد عياش – النهار

لم يكن وضعاً طبيعياً على الاطلاق ما سبق #الاستشارات النيابية الملزمة التي كان من المقرر إجراؤها أمس، والتي أعلنت رئاسة الجمهورية إرجاءها الى الخميس المقبل. انه الإرجاء الثاني توالياً. وما يتطلع اليه اللبنانيون هو ألّا يتطابق هذا التأجيل مع دعاية “اللوتو” الشهيرة “إذا مش الاثنين …الخميس”. انما هذه المرة، ليس الموضوع دعاية يانصيب، بل محنة يغرق فيها لبنان لا أفق للخروج منها في الوقت الراهن.




في المعلومات الرسمية التي صدرت عن قصر بعبدا، أن تأجيل الاستشارات جاء بناء على “تمنٍّ” من الرئيس سعد الحريري، و”استجابة” من عون. لكن بناء على معلومات موقع “العهد” الالكتروني التابع لـ”حزب الله”، فقد جاء التأجيل استجابة لوساطة من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي “تمنى” على رئيس الجمهورية إرجاء الاستشارات، فنزل الاخير عند رغبة بري. ويضيف الموقع انه بعد اتصال عين التينة بقصر بعبدا تلقّى عون إتصالا من الحريري “طلب خلاله تأجيل الاستشارات أسبوعاً، لكن رئيس الجمهورية اكد ان مدة الاسبوع طويلة، خصوصا ان هناك اعيادا، فاقترح اجراء الاستشارات الخميس. واكد للحريري ان مدة الثلاثة ايام ستكون كفيلة بإجراء مزيد من الاستشارات”. وخلص “العهد” الى القول: “ان عاملين اساسيين دفعا الحريري الى طلب تأجيل الاستشارات. الاول يتعلق بضعف التمثيل المسيحي، والثاني يتمحور على هزالة الاصوات التي سيحصل عليها والتي كانت لن تتعدى الـ57 صوتا”.

ليس هناك من حاجة الى مناقشة هذه المعطيات من ناحية الشكل. لكنها في المضمون تشير، وفق معلومات خاصة بـ”النهار”، الى ان الايام الأخيرة التي سبقت التأجيل الثاني، حفلت بالمعطيات التي تؤكد ان رئيس الحكومة المستقيل لم يكن في صدد الذهاب الى تكليف جديد لتشكيل الحكومة المقبلة، بل كان يتجه الى تكبيله بأصفاد سياسية لم يسبق لرئيس حكومة في تاريخ لبنان منذ نشوء هذا الكيان عام 1920، ان كُبّل بمثلها.

في هذه المعلومات، ان مستشار الحريري، الوزير السابق غطاس خوري الذي زار قصر بعبدا الخميس الماضي كي يرتّب لقاء بعيدا من الاضواء بين الرئيسين عون والحريري قبل موعد الاستشارات الاثنين (أمس)، فوجئ بما سمعه من رئيس الجمهورية، ما يكشف عمق أزمة علاقة الاخير برئيس حكومة تصريف الاعمال. ومما قاله عون، وربما ليس حرفيا، ان الحريري “خان الامانة” عندما ذهب الى تقديم استقالته في 29 تشرين الاول الماضي من دون اتفاق مسبق مع عون. كما اتهم الاخير رئيس الحكومة المستقيل بـ”قلّة الوفاء”، وهو، أي رئيس الجمهورية، “ليس راغباً في لقاء الحريري إطلاقا”.

لكن اللقاء بين عون والحريري تم مساء السبت الماضي. فهل تدخّل طرف ثالث حتى تراجع رئيس الجمهورية عن موقفه من رئيس الحكومة المستقيلة؟ من الارجح ان الثنائي الشيعي كان وراء ثني عون عن سلبيته حيال اللقاء مع الحريري. لكن تدخّل الثنائي لإتمام اللقاء جاء موازيا لترتيبات ميدانية قضت بتنظيم هجوم واسع يومَي السبت والاحد الماضيين من إجل إنهاء حركة الاحتجاج في وسط بيروت. وفيما كان الحريري متوجها سرّا ليل السبت الى قصر بعبدا ، كان عناصر الثنائي يعتدون على القوى الامنية التي تعود إمرتها الى وزارة الداخلية التي تتولاها ريّا الحسن المنتمية الى فريق الحريري الوزاري. وبدل ان تقوم هذه القوى بالدفاع المشروع عن النفس، تعرضت لضغوط أجبرتها على الانزلاق لتكون طرفا في القمع الذي أطلقه الثنائي ليل الاحد بحق المتظاهرين وخيمهم في وسط العاصمة.

ماذا لو حصلت الاستشارات في موعدها الثاني ولم يتم تأجيلها؟ في قراءة اوساط وزارية في حكومة تصريف الاعمال، ان الحريري كان سيحصل على تكليف بأصوات متواضعة، لكنه كان سيذهب الى الاشراف على شؤون تصريف الاعمال عبر الحكومة المستقيلة بفاعلية أفضل من الوضع الحالي. لكن تأليف الحكومة الجديدة لم يكن أمرا محسوما في الاسابيع او الأشهر المقبلة، علما ان بعض الاوساط كانت تتحدث عن ظروف مؤاتية كي يتم تشكيل حكومة تحقق طموحات الحراك الشعبي ومتطلبات التوازنات التقليدية. وذهبت هذه الاوساط الى القول ان معلوماتها المستقاة من الاتصالات مع باريس تفيد ان قضية مشاركة “حزب الله” في الحكومة الجديدة قد وجدت حلاً لها.

لكن الاستشارات في موعدها الثاني تعرّضت مجددا للارجاء. فهل من استنتاجات مفيدة يمكن الادلاء بها بعد هذا الارجاء؟

ربما هناك بين المراقبين من يعتقد ان الارجاء أنقذ الحريري على يد الموقف الذي اتخذته “القوات اللبنانية” التي قررت فجر الاثنين عدم تسمية الحريري في الاستشارات. ومردّ هذا التوصيف الى ان “القوات اللبنانية” بخطوتها هذه، قدمت ظاهريا مبرر عدم وجود تغطية مسيحية لتكليف الحريري، لكنها ضمنيا رمت بطوق النجاة الى الزعيم السني الابرز كي لا يتحوّل الى كرة يتم تقاذفها بين قصر بعبدا الذي أعلن طلاقه النهائي مع الحريري، وبين الثنائي الشيعي الذي يريد الحريري أداة طيّعة في مرحلة يقودها المرشد الايراني علي خامنئي بين بحر قزوين والبحر المتوسط.