الحريري يعود الى السلطة بدعم الثنائي الشيعي وقرار بإخلاء ساحات الانتفاضة وتفكيكها!

ابراهيم حيدر – النهار

في المشهد السياسي للاستشارات والمواقف من التكليف والتأليف الحكوميين، حدد الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن #نصرالله الوجهة التي ستقرر اختيار اسم الرئيس المكلف. أعلن نصرالله تمسّكه بـ #الحريري كممثل أساسي للسنّة، وفي الوقت عينه تمسّك بتمثيل “التيار الوطني الحر” وكل القوى السياسية الممثلة في مجلس النواب. وفي المقابل يبدو أن الحريري تراجع عن الشروط التي كان وضعها لتكليفه حول حكومة تكنوقراط، فعاد الى القبول بتأليف حكومة تكنو- سياسية أو حكومة سياسية مطعّمة باختصاصيين. كل ذلك يدل، استناداً الى مصدر سياسي متابع، على أن القوى السياسية والطائفية في الحكم تتصرف كأن شيئاً لم يحدث في البلد، فهي مستمرة بمفاوضاتها بالطريقة ذاتها التي حكمت التوازنات السياسية في المرحلة التي سبقت ثورة 17 تشرين الأول، انما الأخطر يتمثل في الدفع بالتكليف لرفع المسؤولية عما يحصل وحالة الانهيار، ووضعها في عهدة الرئيس المكلف، وتحويل الأنظار عن السلطة وتسليطها على الانتفاضة.




الواقع أن نصرالله حدد في شكل مباشر طبيعة الحكومة وخطوطها العامة وشكلها. فهو حَسَم من حيث التمسك بالحريري ولم يترك موقفه ملتبساً بالنسبة إلى حلفائه، ولم يأخذ الأمور الى وجهة تأليف حكومة من لون واحد، فأفهم الشخصيات السنية التي تدور في فلك “حزب الله” وحلفائه أنه لا يريد اختيار أي اسم سنّي لرئاسة الحكومة منهم، وحتى غير الحريري، وكأنه يقول إن المسؤولية في حال حصول كارثة في البلد لن يتحملها “حزب الله” بل الحكومة برئاسة الحريري إذا ما تكليفه ولو بتسمية غير كاملة. ويبدو أن الحريري الذي تراجع عن شروطه التي كان يقدم نفسه فيها غير آبه بالسلطة ومصراً على حكومة تكنوقراط ويحمّل جبران باسيل مسؤولية العرقلة، ها هو يعلن انه المرشح الوحيد بعدما حرق كل الأسماء التي لم تشكل اجماعاً ورفضتها الانتفاضة، علماً أن باسيل الذي فجَّر علاقته بالحريري وأعلن انه غير مستعد للمشاركة في أي حكومة يترأسها، يعرف أن “حزب الله” وحركة “أمل” سيرفضان موقفه، وهو ما أعلنه نصرالله بعد الرئيس نبيه بري بالتمسك بـ”التيار الوطني الحر” كمكون أساسي وبباسيل نفسه.

تقدُّم الحريري مرة أخرى لترؤس حكومة جامعة أطلق عناوينها نصرالله، يعني وفق المصدر السياسي، ان ثمة تغيرات حصلت على جبهة الحريري نفسه. فرئيس حكومة تصريف الأعمال يريد ترؤس الحكومة بأي ثمن، وهو ترك الامور مدة تقارب الشهر ونصف الشهر ليرى كيف يمكن أن تسير في البلد لناحية التكليف. وبعد اتصالات دولية يعتبرها الحريري عنصر قوته، اقتنع بانه لا يمكن أن يكون خارج السلطة، خصوصاً أنه قد يحاصَر بأشكال مختلفة، فوجوده في الحكم أفضل من خروجه في ضوء الحملات التي شُنت عليه وحمّلته مسؤولية فرط الحكومة السابقة. ووفق المعلومات، اشترط الحريري لتوليه المهمة أن يمنحه الثنائي الشيعي أصواته في شكل رئيسي وهو يتولى اقناع “القوات اللبنانية” والحزب التقدمي الاشتراكي بالسير به، حتى لو بقي “التيار الوطني” على موقفه الممانع لتسميته. وكذلك حاول الحريري استشراف موقف الرئيس ميشال عون لتغطيته، فتلقّى جواباً إيجابياً باعتبار أن عون يريد رفع المسؤولية عنه في ظل انزلاق البلاد نحو الافلاس، علماً أن رئيس الجمهورية لا يريد اعطاء الحريري أوراق قوة، وبالتالي سيكون متشدداً في عملية التأليف التي سيمسك بها مع “حزب الله”. فحصل اتفاق مبدئي على أن يتم التكليف فيما عملية التأليف ستأخذ وقتاً طويلاً، وهو ما أشار إليه نصرالله في اطلالته الأخيرة. ويتبين أن المعركة ستتركز على عملية التأليف والنقاش حول طبيعة الحكومة وتوزيع حقائبها، من دون أي اكتراث للانتفاضة على الأرض. وقد ابلغ عون “حزب الله”، وفق المصدر، أنه مستعد للتعاون مع الحريري، لكنه لن يقبل بعدم مشاركة “التيار الوطني” بحصة وازنة حتى وإن لم يسمِّ الحريري.

حتى الآن تظهر الأمور معادلة تقول انه لو تم تكليف الحريري الموافق على تولي المهمة او حتى شخصية ثانية، فإنه سيكون مقيداً بأجندة يريدها عون و”حزب الله”، وعليه تقديم تنازلات، ما دام الامر قد حُسم بتشكيل حكومة جامعة وليس حكومة اللون الواحد، إذ إن اي طرف من قوى الأكثرية لن يستطيع تحمّل تداعيات أي انهيار أو كارثة تحل بالبلد. واذا ما سار لبنان نحو الإنهيار فسيتم تحميل الرئيس المكلف المسؤولية.

وتوازياً مع عملية التكليف، بدأت تظهر خطط لإنهاك الانتفاضة وإخراجها من الساحات، بدءاً بالقمع المتصاعد الذي شهدنا عيّنة فاضحة منه في ساحة الشهداء، إضافة إلى تحريك مجموعات مشبوهة ومتنقلة بين الساحات والمناطق لاختراق الانتفاضة وتشتيت ساحاتها. ولعل أبرز ما يمكن ملاحظته، كما يقول المصدر السياسي، أن التكليف الذي حسمه الثنائي الشيعي بتسمية الحريري، وفق ما قرره نصرالله بعناوين الوحدة الوطنية في تحمّل المسؤولية والميثاقية، يخضع الحريري لشروطهما طالما أنه يبدو عاجزاً عن فرض شروطه على الآخرين لا بل تراجع عن تعهداته بحكومة تكنوقراط، وسيترافق مع العمل على إخلاء الساحات بوسائل مختلفة، لمنع أي محاولة من الحريري أو الخارج الداعم له للاستقواء بالانتفاضة، وكذلك العمل على تفكيك الساحات الفرعية في المناطق لفصلها بعضه عن بعض.

من الآن وصاعداً سيكون البلد أمام مرحلة جديدة مختلفة، وإن كانت الانتفاضة مستمرة في مواجهة كل قوى السلطة، إذ إن تفكيك الساحات وإخلاءها لن يكون سهلاً لا للثنائي الشيعي، وتحديداً “حزب الله”، ولا لغيره، علماً أن القوى الأخرى التي كانت قررت أن تكون في المعارضة هي في حال ارباك، خصوصاً “القوات اللبنانية” التي باتت قريبة مجدداً من المشاركة في الحكومة خوفاً من تمكن “التيار الوطني” من الامساك بالساحة المسيحية.

في الخلاصة، وفق السياسي إياه، أنه حتى لو صار التكليف واقعاً مع الحريري، فإنه سيطول، لكن المفتاح سيبقى اليوم مع فائض القوة، إذ إن عون و”حزب الله” سيتحكمان بالعملية وإضعاف الحريري وسط تصاعد الأزمة المالية واحتمالات الإفلاس، وهذا يعني مزيداً من الاضطرابات والفوضى، ويطرح تحديات على الانتفاضة في مواجهة سلطة قررت ان تنهيها!