//Put this in the section
جهاد الزين - النهار

في هذه اللحظة ”الودائعيّة” من تاريخنا – جهاد الزين – النهار


1 –

قرأت باهتمام مقال رئيس جمعية المصارف الدكتور سليم صفير في “النهار” أمس ولفتني فيه أنه جاء على ذكر الودائع الموجودة في البنوك أربع مرات بالتعابير التالية:




1- حماية الودائع

2- (عدم). الاقتطاع من الودائع

3-… دون التسبب بضرر للمودعين وأموالهم

4- الحفاظ على قيمة ودائع المواطنين

في الحقيقة لم أقرأ مقال الدكتور صفير إلا بحثا عن كيف سيأتي على سيرة الودائع في المصارف. فهذه المسألة، مصير الودائع، تشغل بال الجميع بل تُرْعِب بال الجميع، خصوصا أصحاب الودائع الصغيرة أوا الودائع العادية من المواطنين وهم الأكثرية طبعاً..

أشكر الدكتور صفير على تأكيداته الأربعة حول الودائع. هذه تأكيدات مهمة جدا في المرحلة الراهنة وخصوصا حين تصدر عن رئيس جمعية المصارف شخصيا مما يعني أن الهم عميق وأن البنوك تعترف بالقيمة الجوهرية لهذه المسألة ولا تحاول أن تتلافى الحديث عنها. ماهو البنك إذا لم يضمن وديعة المودع. فلو حصل وتهددت الودائع لن يكون هناك قطاع مصرفي بعد اليوم حتى مائة سنة من الآن..

المدرسة للتعليم. المستشفى للطبابة، البنك أصلا لحفظ الوديعة مهما تعدّدت وتعقّدت مهماته الحديثة.

كان يكفيني أن يكون مقال الدكتور صفير، على أهمية الكثير من أفكاره، من جملة واحدة: لا تخافوا على الودائع، لكي يكون له وقْعٌ وتأثير يتخطى وقع وتأثير أي خطاب لرئيس الجمهورية أو أي مسؤول سياسي آخر مهما كان نوع العمامة التي يضعها على رأسه دينيةً أو علمانيّة.

شكرا للدكتور صفير على تدخله في هذه اللحظة “الودائعية” الحرجة من تاريخ لبنان إذْ لم يحدث في السابق وفي أي مرحلة من تاريخ القطاع المصرفي أن كانت ودائع البنوك موضع تشكيك أو خطر، وأعني بذلك مجمل القطاع المصرفي وليس مصرفاً معيّنا. نعرف في تاريخنا مصارف تعثرت لكن أن يكون القطاع بكامله موضع بحث، فهذا فعلاً جديد.

2 –

من الواضح أن الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي يعيشها لبنان بلغت درجة الإذلال. عاد السياسيون اللصوص إلى الاسترخاء.الكتل الاقتصادية التابعة لهم تُمارس إجراءاتِها دون حرج. القطاع العام يتقاضى أجوره. القطاع الخاص مضطرب.

اللبنانيون صنعوا ثورة فعلية ألغت بشكل مدهش ومفاجئ تاريخهم الانقسامي. معظمنا لفرط اليأس وخيبات التجارب يعتقد أنه إلغاء مؤقت.

ليس من شيء مؤكد الآن غير الحالة الذليلة التي يعيشها اللبنانيون. حالة توجّست نخبُهم منذ مدة طويلة من حدوثها.. وحدثت فعلا.

ربما كثيرون لا يوافقونني على هذا التعبير: الذل، لكنه حقيقة قائمة.إنه إذلال انتقل إلى كل مفاصل الاقتصاد.

لسنا الشعب الأول الذي يذلّه الانهيار الاقتصادي ولا الشعب الأول الذي يدفع ثمن وجوده تحت مقصلة دولة فاشلة بل ليست التجربة الأولى التي يعيشها اللبنانيون وينتج عنها إذلال عام يطال معظم طبقات المجتمع. فالحرب الطاحنة بين 1975 – 1989 فعلت الفعل نفسه في المرحلة الأخيرة منها.

الذين يديرون شؤوننا هم أنفسهم أو معظمهم كانوا “أمراء” تلك الحرب ومنهم من تعوّد على “إعاشة” محيطه أو بعضه بمنظومات تبرّع لا تقل إذلالاً كانت تعمد إليها الميليشيات للتقرّب إلى القاعدة الاجتماعية التي تمارس عليها تسلّطَها. كان ذلك تقرّبَ وجوهٍ مبتسمة نسيت الحياة الطبيعية.

تترافق هذه الحالة الإذلالية مع واحدة من أكبر حركات الانتفاض الجماعي التي يمكن تسميتها بانتفاضة الكرامة الجماعية دون أي تردد.

هل إن اللبنانيين الذين يذلّون في معيشتهم نهارا باتوا يذهبون ليلا للانتفاض على ذلك الإذلال النهاري. نهار مذل وليل ثوري ولا يبدّد هذا التقسيم سوى الطقس الماطر.