//Put this in the section

وجع الناس – ميشيل تويني – النهار

الاثنين الماضي، كنت ذاهبة الى عيادة طبيبة العائلة وهي امرأة ناجحة جداً. نجحت في اهم المستشفيات والجامعات في الخارج، واختارت ان تعود الى لبنان وتفتح عيادة هنا. رأيتها حزينة دامعة، فسألتها: ما بك؟ أجابت: “تعلمين انني كرست كل حياتي لمهنتي ولم انم لسنين ولم اعرف الفرق بين الأحد والاثنين ولم اتزوج، واليوم أعيل نفسي وأختي وامي، وكل جنى عمري في مصرف لا يعطيني سوى القليل من حقوقي، ولا اعلم ما إذا كان غدا لن يعطيني شيئا؟ اتعلمين انني طبيبة افعل ما بوسعي لأريح الناس، واليوم لا يمكن اي شيء ان يريحني لان جنى عمري مهدد! الخبراء والمحللون يتحدثون عن افلاس وعن عدم وجود سيولة بعد بضعة اشهر. أنا طبيبة أسست نفسي بنفسي، واليوم لا اعلم كيف سيكون الغد”… فخرجت من عندها اتساءل: ما ذنب اللبناني الذي، اضافة الى الهمّ الأمني والاجتماعي وهمّ تأمين مستقبله، يرى تهديداً لجنى عمره؟

الثلثاء الماضي، اتصلت بي صديقة ممثلة ناجحة في الخارج على اهم المسارح العالمية، وكان صوتها يرتجف. سألتها: ما خطبك؟ فأجابت: “عرفت العالمية والنجومية والشهرة، وكل تعبي كنت أحوّله الى مصارف في لبنان لانني كنت ما زلت اؤمن ببلدي. لكنهم اليوم يمنعونني من صرف أموالي وتعبي وأنا في الخارج احتاج الى مصروف اكبر ولا اعلم ماذا يخبئ الغد”.




الأربعاء الماضي، كنت أتمشى في بيروت فالتقيت رجلاً مسناً كان يعمل مع جدي غسان منذ 50 عاماً. وعندما رآني صار يبكي. قال: “زوجتي مريضة واولادي هاجروا ليؤمّنوا لقمة العيش، وأنا عجوز لا يمكنني ان اطعم زوجتي واعمل في عمري ولا ضمان شيخوخة”. يوم الخميس، رأيت رجلا بعمر والدي جالسا على الطريق. كان يقول امام الصراف الآلي: لا دولار لا لبناني عم يشحّدونا اموالنا عم يذلّونا. يوم الجمعة كان احد التجار الكبار يقول لي انه صرف موظفين ولا يمكنه ان يحوّل اموالا الى الخارج للاستيراد، وان قلبه على كل عائلة ستصبح من دون مدخول، ولا يمكنه ان يفعل شيئا، وأنه يملك محطة وقود والإضرابات لم تنفع لان اصحاب المحطات يقبضون بالليرة ويدفعون بالدولار، ولو قررت الوزيرة ندى البستاني الاستيراد فالمشكلة لن تحل، والدليل انها طلبت من حاكم مصرف لبنان ان يفتح الاعتمادات لان المشكلة استمرت. يوم السبت كان احد الصناعيين الكبار يخبر عن ضرب الصناعة وكيف انه حتى في ايام الحرب لم يحصل ذلك. ويوم الأحد، يوم الرب، ترى الناس يصلّون لغد أفضل لانه لم يبق لديهم سوى الصلاة للخلاص او للأمل بتجنب الانهيار. لا احد من السياسيين او المسؤولين لديه خطة واضحة. نرى كيف ان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يتوجه خمس دقائق للحديث عن التنمّر في المدارس، ونحن شعب ينهار ويبكي ويجوع ويتوجع ولا نرى مسؤولين على قدر المسؤولية. يحاولون إصلاح ما اقترفت ايديهم من فساد وإفلاس، وحتى المصارف التي كانت تطلق شعارات كراحة البال و”نحنا حدك ونحنا لإلك” تصمت اليوم وتمنع المواطن من سحب امواله من دون ان تطمئن علناً وبطريقة مسؤولة الشعب الى ان جنى عمره بأمان. تمر الأيام ووجع الناس يزيد وخوفهم يكبر، وفي المقابل ما زال البعض يناقش مسألة مَن سيشارك في الحكومة وما هو لونها. وإذا كان البعض يعتبر انها حرب اقتصادية على لبنان من محور ضد محور، نقول لهم انتم اخترتم المحاور، أما الطبيب والفنان والمغترب والعجوز والشاب فلم يختر محاور، واليوم تهددون اكثر فأكثر لقمة عيشهم وجنى عمرهم.