تفاصيل سقوط ترشيح سمير الخطيب

كيف سقط ترشيح سمير الخطيب لرئاسة الحكومة اللبنانية، ومَن يكون البديل، ومن الاسم الذي كان يفكر الرئيس ميشال عون في فرضه رغم أنف الطائفة السُّنية؟

يمثل انسحاب سمير الخطيب الآتي من عالم المقاولات والمشاريع من الترشح سقوطاً جديداً للخيارات التي يحاول صهر الرئيس عون، وزير الخارجية جبران باسيل، فرضَها على الشعب اللبناني، الذي كان أحد أسباب خروجه في المظاهرات رفضه لدور باسيل في رسم سياسة البلاد.




لكن سقوط الخيار الباسيلي لا يفتح الباب فقط لتساؤلات حول دور باسيل المثير للجدل، بل يطرح علامات استفهام عديدة حول سياسة حرق الأسماء التي يعتمدها رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، مع صعود أي اسم لتولي هذه المهمة الصعبة، في ظروف أصعب تمر على لبنان، المتنازَع عليه من حكامه وقادته.

نجم صعد ثم هوى.. كيف سقط ترشيح سمير الخطيب لرئاسة الحكومة اللبنانية

مَن سوّق اسم الخطيب لدى جبران باسيل وسعد الحريري وحزب الله هو اللواء الشيعي عباس إبراهيم، مدير جهاز الأمن العام المقرب لحزب الله وأمل وعون، والذي تربطه علاقة مصاهرة مع الخطيب، حسبما ذكرت مصادر سياسية لبنانية لـ «عربي بوست».

لقي ترشيح الصهر الشيعي لوالد زوجة ابنه ترحيباً مباشراً من باسيل، المتعطش لإنهاء أزمة عصفت بالبلاد، لكن باسيل انتظر موقف الحريري ليبني على الشيء مقتضاه.

وفي إطار سياسة اللعب بالوقت، وافق الحريري مبدئياً على الخطيب، ليسير باسيل في العادة التي يعتمدها، والتي تخالف الميثاق الوطني اللبناني، وهي السعي لتأليف الحكومة قبل التكليف، ليستدعي الخطيب وتبداً جولة المساومات وفرض الأسماء وتقسيم الحقائب الوزارية.

ووافق الخطيب البارع في التجارة على شروط باسيل، ليضمن دخوله لنادي رؤوساء الحكومات، وبدأت تسريبات أسماء الوزراء تخرج من الغرف التي كانت مغلقة، ليطرح باسيل فكرة عودته.

ولكن عودة باسيل اصطدمت برفض الحريري المستمر، حينها وجد باسيل نفسه مجدداً أمام رفض جديد، ومحاولة لتطويقه، ليخرج على اللبنانيين ويعلن أنه غير راغب في تولي مسؤولية وزارية، وأنه سيقدم التضحيات لمرور الأزمة بأقل الخسائر.

حزب الله يُصر على دعم المبادرات الباسيلية الفاشلة

ورغم رفض بري وجنبلاط لخيار الخطيب، استمرَّ حزبُ الله في سياسة تأمين الغطاء السياسي للخيارات الباسيلية، المتحدّية لصرخات الشارع وموقف الخارج ومناورات الخصوم.

ولكن تنضم هذه المبادرة لقائمة محاولات التشكيل الفاشلة التي يستغلها الحريري، بعد أن حدَّد عون موعد الاستشارات، ليكون هذا الموعد إحدى جولات خسارة صهر الجنرال، واستثماره علاقة المصاهرة بشكل يواصل استفزاز اللبنانيين.

وعلى وقع الرفض الشعبي في الشارع لخيار سمير الخطيب، كانت ثمة مواقف تتحضّر للخروج للعلن، وكأنها منسقة فيما بينها.

هكذا بدت مواقف رؤساء الحكومات السابقين الرافضين لتسمية الخطيب، وعلى الخط نفسه كانت مواقف متتالية تصدُر عن اتحاد العائلات البيروتية السنية، التي يتعكّز الحريري عليها في استحقاقات العاصمة، لتعلن تأييدها للحريري حصراً في لعبة التشكيل المتأخرة.

انضمّ لركب الرفض الجماعة الإسلامية (الإخوان المسلمون بلبنان)، التي تشارك بكل قوتها في الانتفاضة الشعبية، لتُعلن عبر بيانها الأسبوعي رفضَها السير بالخطيب رئيساً للحكومة، وهو ما اعتبرته مخالفةً وعبثاً بالدستور.

كان معنى هذا غياب الغطاء من رموز الطائفة السنية للخطيب، والتي سبقت أن أفشلت ترشيح النائب الملياردير محمد الصفدي.

ضربة دار الفتوى كانت القاصمة

وأمام تلك المواقف الرافضة والمنددة بالخطيب، تشير مصادر خاصة إلى أن الحريري رفض تسمية الخطيب رسمياً عبر كتلة المستقبل، لأنه كان يخشى التفاف الوزير جبران باسيل على هذا الدعم لفرض شروطه على الرئيس الجديد للحكومة، ما يعني ساعتها أنَّ الحريري وقع في فخ حزب الله والتيار الوطني الحر والتسليم لشروطهما.

وتؤكد نفس المصادر أن مفتي الجمهورية عبداللطيف دريان رفض في البداية لقاء الخطيب، خوفاً من تأمين غطاءٍ سُني ديني للرجل قبل حصوله على غطاء سياسي.

لكن عقب سلسلة بيانات القوى السنية، بادر دريان لاستدعاء الخطيب، لإقناعه بالانسحاب من اللعبة التي رسمها فريق حزب الله لتحجيم الساحة السنية المختنقة من ممارسات واستفزازات باسيل وتياره، حسبما قالت المصادر لـ «عربي بوست».

حينها اقتنع الخطيب بأن اسمه كان جزءاً من سياسة الحرق والحرق المضاد بين الحريري وباسيل، ليعلن من منبر دار الفتوى انسحابه وعودته لبيت الطاعة «الحريري»، وليؤكد على ضرورة عودة الحريري للمشهد، بسبب قدراته وعلاقاته الدولية باستعادة لبنان لثقة المجتمع الدولي.

ماذا سمع باسيل خلال زيارته للخارج؟

تؤكد مصادر خاصة أنّ الوزير باسيل وخلال مشاركته في مؤتمر روما التقى العديد من الشخصيات الأوروبية، التي نصحته بضرورة انسحابه من المشهد السياسي، لأنه بات عامل استفزاز للمعتصمين في هذه الفترة.

وتذكر المصادر أنّ باسيل سمع كلاماً قاسياً عن دوره في تأمين الغطاء المسيحي لحزب الله، وتنفيذ السياسة الإيرانية في لبنان، بدلاً من أن يكون في الجانب المقابل للحزب، ما فُهم أنه رسالة شفوية تهدف لإبعاده حالياً عن الأحداث السياسية التي يشهدها لبنان.

وكان باسيل قد التقى وزير خارجية الفاتيكان (الذي يَنظر له الموارنة على أنه أحد رعاة الطائفة الدوليين)، طالباً منه التوسط لدى الأمريكيين، لإقناعهم بوقف الضغوط التي يمارسونها على لبنان، ولتسهيل تشكيل حكومة تكنوسياسية، توافق واشنطن على تأليفها، وتؤمّن لها الدعم اللازم الإقليمي والمحلي.

لكن هذا الطرح قوبل بالرفض الفاتيكاني، الذي يؤيد قيام حكومة تكنوقراط بعيدة عن القوى السياسية.

عون الممتعض.. هكذا كاد يُشعل أزمة طائفية مع السُّنة

رئيس الجمهورية ميشال عون يتهم الحريري بالوقوف وراء إحراق الخطيب، وعرقلة مساعيه، حسبما أفادت المعلومات.

قال عون أمام من التقاهم إنه يُحمِّل الحريري مسؤولية ما يجري، وإنه لم يكن صادقاً في تسمية الخطيب، بل يريد الحكومة لنفسه.

واعتبر عون أن لديه تقارير أمنية تفيد أن محسوبين على الحريري هم الذين يحركون الشارع السُّني، لتعطيل أي استشارات أو تسمية أي شخص غيره لرئاسة الحكومة.

وتذكر المصادر أن عون لا يريد لقاء الحريري، ولا الاجتماع معه على طاولة حكومية واحدة. وأنه حتى لو عاد الحريري رئيساً للحكومة، فعون لن يشارك في أي جلسة وزارية، ما يشبه مرحلة حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة أيام الرئيس إميل لحود.

ولكن الأخطر ما كشفته المصادر، من أن عون كان مصمماً على إجراء الاستشارات النيابية في موعدها، وتسمية فؤاد مخزومي لرئاسة الحكومة.

لكن حزب الله تدخّل محاولاً إقناع عون بالامتناع عن ذلك، وترك الباب مفتوحاً مع الحريري، لأن الجميع بحاجة إلى غطاء سُني، وليس هناك داع لنقل الأزمة إلى توتر طائفي ومذهبي.

عودة اسم السفير نواف سلام

وأمام سياسة حرق الأسماء والكلام عن رغبة الحريري في العودة، بدأ الكلام عن عودة طرح اسم السفير نواف سلام، الذي طرحه الحريري منذ بداية الأزمة وقوبل برفض حزب الله، وخاصة بعد تسميته من عدة كتل نيابية.

وتشير مصادر متابعة إلى أن كُتلتي المستقبل والقوات اللبنانية قد تتجهان لتسمية نواف سلام، إذا لمستا تجاوباً من كُتلتي جنبلاط وبري، ما يعني تأمين غطاء سني وشيعي ودرزي ومسيحي لسلام، في ظلّ رضا قوى حراك الشارع عن اسمه.

فنواف سلام، الذي شغل منصب مندوب لبنان الدائم في الأمم المتحدة حتى العام 2017، ويشغل حالياً منصب قاضٍ في محكمة العدل الدولية في لاهاي، يحظى كذلك بموافقة دولية وإقليمية، ما قد يجعل منه منقذَ المرحلة وعرّاب الحلّ المنتظر.