//Put this in the section

الثنائي الشيعي يُجدّد التأكيد أنه ”ممنوع على الحريري أن يهرب من العودة”

ابراهيم بيرم – النهار

في الغرف الموصدة يتحدث قياديون معنيون من “حزب الله” عن أن الأزمة الحالية المتوالية فصولاً في البلاد منذ نيف وخمسين يوماً هي أزمة تشمل كل الأطراف، وأنه لا يمكن أي أحد، شخصية كانت أم قوة سياسية، أن يزعم أنه خارج قضبان هذه الأزمة وأن كتفيه لا تنوءان إطلاقاً بأوزارها وتداعياتها ويتصرف تصرف “اللامنتمي واللامسؤول”، وإن كانت المسؤولية نسبية بطبيعة الحال.




لكن، ومع ذلك، لا يخفي هؤلاء في نقاشاتهم أن رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري المرشح الأوفر حظاً للعودة بين أسبوع أو آخر “هو الأكثر مسؤولية والأكثر تضرراً”، وإن كان يجهد منذ اشتعال فتيل الأزمة الحالية وما تلاها من تقديم استقالته لكي يبدو أنه الأكثر ارتياحاً ونأياً عن التبعات واستطراداً الاكثر توازناً وإمساكاً لزمام الأمور ولأوراق اللعبة، لا سيما وقد ألقى قفاز التحدي في وجه الجميع وخصوصاً في وجه ما يسمونه ثلاثي السلطة (حركة أمل، التيار الوطني الحر والعهد، و”حزب الله”) داعياً إياهم بكل أريحية الى إعفائه من المسؤولية والبحث عن سواه للتصدي للرئاسة الثالثة التي باتت كرة نار متّقدة.

ولكن صار معلوماً أن الثنائي الشيعي خصوصاً، ومعه الى حد كبير التيار البرتقالي، قد تمسكوا به ولم يقتنعوا في لحظة من نهار أن هذا المنصب قد يؤول إلى غيره وذلك بناء على اعتبارات وحسابات عديدة تنطلق من مرتكز أن وجوده يؤمن الى حد بعيد استقامة الأمور وتوازنها.

وعليه، ولئن كل المعطيات التي فرضت نفسها بعيد عزوف سمير الخطيب، توحي بأن الحريري صار المؤهل الابرز للعودة الى المنصب الذي خرج منه بعيد أيام على انطلاق الحراك، فإن السؤال الكبير المطروح لدى هؤلاء وفي كل صالونات النقاش الدائمة الانعقاد هو، بأي عقلية وبأي نهج سيسوس الرجل أمور البلاد والعباد إذا ما قيّض له العودة ثالثة الى المنصب؟

منطلق هذا السؤال التشكيكي عند هؤلاء هو المناشدة التي أطلقها الرئيس الحريري قبل ايام لعدد من العواصم العربية والاجنبية طالباً منهم تأمين ما يشبه “خطوط ائتمان” بغية تزويد لبنان بما يمكن أن يحتاجه في قابل الأيام من حاجات حياتية. ومبعث الاستهجان الكبير عند هؤلاء من هذه المناشدة المفاجئة والغريبة من نوعها في هذا التوقيت بالذات أنها لاتطلق عادة إلا من دول منكوبة أو قاب قوسين او ادنى من الافلاس والعجز عن تأمين ابسط مقومات الحياة اليومية للشعب لكي لا يصاب بالجوع. والمستغرب في المشهد إياه هو أن الحريري قد قطع نوعاً من الاعتكاف والصيام عن ممارسة مسؤوليته كرئيس حكومة تصريف أعمال، ليطلق هذا النداء المنطوي على نوع من أنواع الاستغاثة.

وإذا كان البعض يدرج هذا السلوك في خانة مقدمة لعودته عن العزوف الذي أعلنه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه فوراً هو ماذا عن مبلغ الثلاثين مليار دولار الذي أشارت تقارير رسمية الى انها موجودة في خزائن مصرف لبنان؟ إذ كان بمقدور الرئيس الحريري إذا ما عاد الى الحكم ان ينطلق من هذا الرصيد الذي لا يستهان به في انتظار أن يتدبر الامور ويلج تدريجاً خطة الإنقاذ المالي والسياسي الموعودة. وهو ما أثار فعلاً السؤال وأيقظ الهواجس حول مبلغ الثلاثين ملياراً، وعما اذا كان ما انفك موجوداً في الخزائن ام انه دخل مقام الستر والالتباس والمصير الغامض شأنه شأن الـ 160 مليار دولار التي قدمها الخبراء الاقتصاديون على أنها مجموع ودائع اللبنانيين في المصارف؟

وما يوازي هذا الأمر في الخطورة عند هؤلاء هو محاولات تشتيت الأنظار وتضييع المسؤولين عن الفساد وعن ما آلت إليه الأمور، وهي محاولات لجأ اليها البعض في الآونة الاخيرة سواء كان إعلاماً دأب على تنفيذ خطة مريبة التزمها أو قوى سعت الى اعتلاء صهوة الحراك والمطالب المحقة التي رفع رايتها، فشوّهت صورة هذا الحراك وأوجدت في مناسبات عدة شرخاً بينه وبين شريحة واسعة من الناس، بعدما لاذت بلعبة قطع الطرق وقطع الأرزاق في وضع بالغ السوء اقتصادياً، وأبرز مثال على ذلك التعدي على دارة النائب فيصل كرامي في طرابلس بذريعة لا أساس لها بأنه فاسد.

ومع ذلك، فإن هؤلاء يجددون الإقرار بأنه لم يكن لديهم في ذروة الأزمة وما واكبها من أحاديث عن عزوف الحريري، خيار آخر، فهم لم يتصرفوا يوماً أن الرجل عازم على طلاق المنصب الأعلى في طائفته وأن أحداً سيقيّض له أن يملأ الفراغ الناجم عن استقالته، لذا لم يفاجأ هؤلاء عندما تناهى إلى علمهم نبأ خروج سمير الخطيب من حلبة السباق الى الرئاسة الثالثة واستيلاد الحكومة المنتظرة. وفي الوقت عينه يفصح هؤلاء عن عزمهم على تسمية الحريري (إن حسم مسألة ترشحه) لتأليف الحكومة الجدية وليس تالياً في حوزتهم، الظاهرة والباطنة، أي اسم اخر أو خيار ثان لا يكون الحريري أو من يسميه في عدادها ويؤمن لها الغطاء الطائفي الكامل.

ويذكر هؤلاء في هذا السياق مضمون التصريح الشهير الذي أطلقه رئيس مجلس النواب نبيه بري بعيد وقت قصير على إعلان الحريري استقالة حكومته أنه “ممنوع على الحريري أن يهرب من تحمل المسؤولية”، ويؤكدون أن بري ومن معه ما انفكّوا عند هذا الكلام المباح.