//Put this in the section

طرابلس الثورة في خطر: عصابة تحاصر المدينة وتبطش بمواطنيها

جنى الدهيبي – المدن

كان يوم الاثنين مشؤومًا في طرابلس ومعظم المناطق الشمالية. فمنذ ساعات الصباح الأولى، وبينما كان اللبنانيون يغرقون بفيضانات فساد السلطة، استيقظت المدينة على حالةٍ من الحصار الخانق غير المبرر، تقوده مجموعة رجلٍ مشبوه وصاحب رتبة “مرجع عسكري”، قائد فيلق “ثورة المحرومين” ربيع الزين. كأنّ هذه المدينة الثائرة والمنتفضة على السلطة وزعاماتها، أراد أن يستغلها الزين تحت غطاء “مشغليه” في زمن الثورة، ويجعل منها إمارةً سائبةً يحكمها بمنطق الزعرنات والبلطجة والخوات والتحريض وقطع الطرقات الداخلية والخارجية، بما ينافي الحدّ الأدنى من منطق الثورة نفسها.




أجندة تخريبية
“ممنوع الخروج من طرابلس وحتّى التجول في داخلها”. وفق هذا المنطق، يفرض ربيع الزين وأزلامه سيطرتهم في المدينة التي أُسقطوا عليها من مصادر مجهولة، ومن دون أيّ مقدمات، وتحت يافطة “المساعدات الإنسانية” المشبوهة أيضًا. آلاف الطرابلسيين في صباح الاثنين، كنتُ من بينهم، لم تسمح لهم مجموعة الزين بالخروج من طرابلس نحو بيروت، لا بحرًا ولا برًّا، وبقوا لساعات طويلة عالقين على بوابة المدينة. داخل طرابلس ليس أفضل حالًا. مئات الباصات المدرسية لم تستطع نقل الطلاب من بيوتهم إلى صفوفهم، وآلاف العمال المياومين لم يصلوا إلى أعمالهم، وعدد كبيرٌ من المحال التجارية أغلقت أبوابها، فيما الساحات والشوارع يستبيحها زعران لا يربطهم بالثورة سوى الحجّة والغطاء.

لم يعد خافيًا على أحد أنّ ثمّة أجندة تخريبية مُكلّف الزين بتأديتها، فيما هو يتحامى بقدراته المالية الهائلة التي جعل منها أداةً للابتزاز والإخضاع لمئات الشباب الذين انضموا تحت لوائه. وبعد أن صار مكروهًا ومكشوف النوايا في طرابلس، بات يوجه “أمر اليوم” عبر فيديوهات مسجلة، لأنّ تواجده في ساحة النور لم يعد مقبولًا من أهالي المدينة الثائرين. وفي هذه الفيديوهات، يؤدي الرجل مهمات لا تقلّ خطورة عمّا اقترفه سابقًا في طرابلس. وما شهدته المدينة يوم الاثنين، وفي أيام كثيرة سابقة، كان من خلال دعوة مسجلة وجهها الزين، يتحدث فيها عن شوارع طرابلس وطرقاتها كأنّها ملكٌ خاص له، ويفرض خريطة قطعها كما يشاء، من دون الرجوع لأحد، ومن دون مشاركة أيّ قوى فاعلة في طرابلس تحظى بالثقة والمصداقية.

الأجهزة الأمنية تتفرج!
في تسجيل آخر خطير مصّور نشره الزين مساء الأحد، حرّض الناس حرفيًا على القتل وحرق أنفسهم في الشارع، وتوجه لكل ثائر على حدّ زعمه قائلًا: “ولّع الدني، وولّع حالك وعملها ثورة”، كردٍّ على عدم تشكيل حكومة جديدة! فكيف لا يُلاحق؟ ومن يسمح له بإطلاق هذا الخطاب؟

قبل أسبوعين، نشرت “المدن” تحقيقًا مفصلًا عن الزين وجماعته، وفي طليعتهم أحمد باكيش الذي يجاهر بعمله لصالح الأجهزة الأمنية، وشريكه المتمول (الآتي من الإمارات) مازن زيدان. وعلى مدار أيام، تحول ربيع الزين إلى مادةٍ إعلامية، بعد أن كُشف مخططه وعمله المشبوه المرتهن لبعض “الجهات الأمنية”. وهو كان مع جماعته قد سعى مرارًا إلى إثارة التحريض والفتنة في طرابلس، من خلال سيطرة جماعته “ثورة المحرومين” على المنصة الشهرية في وسط ساحة النور.

والسؤال المباشر اليوم، لا بدّ من توجهيه إلى الأجهزة الأمنية، وتحديدًا برسم مخابرات الجيش بحكم قوّتها وسيطرتها على الأمن في طرابلس: بعد أن أصبح الزين مع جماعته مشبوهًا وعلى كاهله فائض من الاتهامات المباشرة بالتواطؤ والتآمر الفتنوي.. لماذا لا يجري ضبط حركته إن لم نقل إحالته إلى التحقيق؟ لماذا يحظى بهذا الفائض من القوة والسيطرة على الشارع؟ من يحميه ويغطيه؟ ولماذا يُسمح له دون سواه أن يقطع الطرقات بأسلوبٍ تسلطي وبطلجي وتحريضي؟

الحديث عن أفعال ربيع الزين وجماعته في طرابلس، لا يمكن فصله عن مسار مجريات الأحداث في مختلف الساحات اللبنانية المنتفضة، التي تُسيّرها سياسة الكيل بمكيالين. فبينما تلاحق القوى الأمنية المتظاهرين والمتظاهرات عند جسر الرينغ وجل الديب وسعدنايل ومناطق آخرى، وتقوم باعتقالهم تعسفًا من دون وجه حقّ، يحظى الزين ببطاقة بيضاء أمنية لفعل ما يشاء خدمةَ لأجندته. وهذا الرجل مع أزلامه الذي يدعي الثورة ومناصرتها، بينما في ألبومه عشرات الصور التي تجمعه مع رموز السلطة، وتحديدًا مع التيار الوطني الحرّ، أصبح يشكل خطرًا واضحًا وصريحًا على طرابلس وأهلها، من دون أن يملك أحد القدرة على التحرك لمواجهته.

مدينة أشباح
وما يتعلق بأمثال الزين، لا يمكن ربطه بالحراك الاحتجاجي في الثورة. فقطع الطرقات، والعصيان المدني، وشلل المؤسسات، وغيرها من الأساليب الثورية بما فيها “العنف الثوري”، يفقد جدواه ومعناه عندما يقوده مشبوهون يسعون إلى تنفيذ أجندات السلطة، وأن يكونوا أدوات ضغطٍ لها في الشارع، على حساب نبض الناس الحقيقيين الذين نزلوا إلى الساحات ضدّ هذه الطبقة كلّها.

وواقع الحال، هو أنّ طرابلس تواجه تحديات صعبة، بعد أن فرضت مرجعيات سياسية وأمنية سيطرتها على الشارع، وكان ثمنه تفريغ الساحات وانتقال أهل المدينة إلى مرحلة ضاغطةٍ يتأففون فيها من شدّ الخناق عليهم سياسيًا واقتصاديًا وطائفيًا وأمنيًا. وهذا لا بدّ من الاعتراف به، بعد أن أصبح عدد من المؤسسات الرسمية كالمالية والعقارية والريجي مهددة بنقل مقراتها من طرابلس إلى خارجها. وجولة صغيرة في شوارع طرابلس التي أصبحت كمدينة أشباح نتيجة الضائقة الاقتصادية، يكفي لسماع تردد سؤالٍ واحدٍ على لسان أبنائها: لماذا فقط في طرابلس تُقفل المدارس وتقطع الطرقات؟ ومن يسعى إلى تفريغ طرابلس من مؤسساتها؟ ومن وراء ربيع الزين الذي يفرض علينا بفائض قوته أجندته المشبوهة؟

على مدار أسابيع عديدة، أثبتت طرابلس بثوارها نساءً ورجالًا وشبابًا وطلابًا أنّها نبض الثورة في لبنان وأيقونتها وعروسها، لا بل قبلتها التي تستمدّ منها جميع المناطق القوّة والعزم والحماسة. هذا الدور الذي استعاده الطرابلسيون والطرابلسيات بكسر التابوهات الطائفية والسياسية، وهم انتقلوا إلى مرحلة التظاهر أمام بيوت السياسيين.. يبدو أنّه أزعج كثيرين من رموز السلطة وأدواتها. وثمّة سعي واضح لإعادتها إلى مربّع المظلومية الأول، عبر عزلها وشيطنتها وتطييفها في السياسة والأمن، واختزال مشهدياتها بفقرائها الذين يتعرضون لأكبر حملة استغلال لأوجاعهم. واليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، لا بدّ أن تخوض طرابلس معركتها الجريئة في استعادة ثورتها من كل مستغلٍ يصر على حرف المسار، وضد إعادة المدينة صندوق بريد سياسي وأمني وطائفي يخدم السلطة دون سواها.